كانت محطة قطارات ميونخ المركزية (الهابتنهوف) على بعد خطوات من فندقنا، أنهينا إفطارنا، وتوجهنا للمحطة نجرجر حقائبنا، محدثات جلبة واضحة في ذلك الصباح البارد، وبينما كنا نكتم ضحكاتنا، انتبهنا إلى أن كثيراً من المسافرين يثيرون الضجيج ذاته، فاطمأنت قلوبنا. وصلنا في وقت جيد، اشترينا التذاكر، وركبنا مباشرة - صديقتي وأنا - قطار الصباح الباكر المتوجه إلى مدينة «فيرونا»!
قررنا أن نقضي العيد في فيرونا، واحدة من أجمل مدن الشمال الإيطالي، تقع بين مدينتي فينيسيا وميلان، أكملنا رحلتنا بعدها إلى فينيسيا، حلمنا منذ زمن! منذ أن تدخلها وتسير في أزقتها وشوارعها تشعر وترى تلك الطبقات التاريخية الواضحة التي تكوّن تاريخ المدينة، فهي رومانية، تنتمي لتاريخ القرون الوسطى، وإحدى أهم مدن عصر النهضة، فلا حداثة ولا أبراج ولا ناطحات سحاب، ليس سوى مبانٍ تاريخية قديمة وموسيقى ومتاحف، وأسماء واضحة لأشهر محلات وبيوت الأزياء والموضة العالمية والإيطالية! دون أن تغيب عنك للحظة رائحة القهوة والمخبوزات والأطعمة الإيطالية الشهية.
أمضينا ثلاثة أيام أشبه بالحلم في مدينة أشبه بقطعة موسيقية تُعزف أنغامها من كل التفاصيل: أناقة الفندق البوتيكي الذي سكناه، الإفطار الإيطالي التقليدي بمائدته المرتبة وأطباقه المنمنمة، دماثة الناس رغم عصبيتهم، لطف الرجال العابرين بأناقة في الطرقات، جمال النساء، وتلك اللغة التي تشبه زقزقة العصافير.
في أحد مطاعم البيتزا نسينا الغداء وأخذنا نتأمل جمال معطف السيدة التي تجلس بجوارنا، وحين دخلنا حانوتاً تقليدياً يبيع منتجات زيت الزيتون الإيطالي كدت أشتري كل ما فيه بسبب وسامة البائع والمنتجات المدهشة التي استخدمها في تغليف علب الهدايا التي اشتريناها!
مساءً مررنا بالمدرج الروماني الضخم الذي وضعته منظمة اليونيسكو ضمن التراث العالمي، خصوصاً أنه كما قيل لنا يعتبر من أفضل المدرجات الرومانية المحفوظة في العالم، وما زال أهل فيرونا يستخدمونه حتى اليوم لإقامة حفلات الأوبرا والموسيقى، لم نتمكن للأسف من حضور أي حفلة، لأن الأمر يتطلب حجزاً مبكراً.
في الصباح قادتنا أقدامنا إلى زقاق ضيق يتكدس على باب أحد بيوته عشرات الشباب والفتيات، فانضممنا إليهم ودخلنا معهم، فإذا هو منزل أسطورة الحب الشكسبيري جولييت، من هنا عرفنا لماذا سميت فيرونا بمدينة الحب والرومانسية!