من ذاكرة مسافر!

في أول سفر لي إلى أوروبا ذهبت إلى اليونان عام 1985، في تلك السنة كانت أثينا واحدة من الوجهات التي تروج لها مكاتب السياحة بشكل مبالغ فيه، كما كانت ميزانية الرحلة اقتصادية بشكل من الأشكال وتتناسب مع موظفين كانوا يبدؤون حياتهم العملية للتو، كنا يومها متخرجين جدداً ولدينا وظائف، وقد بدأنا نستشعر المعنى الحقيقي للاستقلالية المادية وماذا يعني أن تستلم مرتباً يدخل في تصنيف آلاف الدراهم (كان مرتب المعلم المواطن يومها يبلغ 7000 درهم تقريباً)!

المهم أننا دخلنا الموجة وسافرنا إلى بلاد الفلسفة والتاريخ وسقراط وأفلاطون والمعابد والآلهة، وفي الطريق، بينما تحلق بنا الطائرة بعيداً باتجاه أثينا، بدأت المضيفات بالقيام بواجبهن المعتاد، تقديم وجبة الغداء للركاب، وبما أننا لم نكن على دراية بموضوع أنك كمسافر يحق لك وأنت تحجز تذكرة سفرك أن تقدم طلباً لنوعية الوجبة التي ستتناولها إذا كان الأمر يتعلق بصحتك أو دينك، فنحن لم نفعل، وتناولنا الوجبة التي قدمت لبقية الركاب، وكان أغلبهم أوروبيين وهنوداً!

انتابني فضول لمعرفة لماذا قدمت وجبة طعام لأحد المسافرين قبل الجميع، ولأنني أجهل السبب فقد رأيت في ذلك تفضيلاً لسبب ما، إلى أن استفسرت وعرفت أن الوجبة مصنعة له خصيصاً لسبب ديني، وهنا انتابني ذعر نفسيّ، ماذا عن الوجبة التي تناولتها؟ هل يمكن أن تكون غير مطابقة للشريعة مثلاً؟ هل يمكن أن أكون قد تناولت شيئاً يحرمه ديني وإن كان بطريق الخطأ؟ أمطرني دماغي بعشرات الأسئلة التي لم يكن من الضرورة طرحها في حقيقة الأمر، إلا أن مطر الأسئلة إذا هطل فلا يمكن لشيء أن يوقفه.

وهنا شعرت بشيء يظهر على لساني، وأن بثوراً بدأت تظهر حول شفتي! وكنت كلما خيل إليّ أنني أعاني من أمر أربطه بالطعام الذي أكلته، وأفسره بأنه عقاب من نوع ما، حتى أيقنت متأخرة أن كثيراً مما شعرت به لا وجود حقيقياً له، وأنه ليس سوى انعكاس لما كنت أفكر به بتلك الحالة من الشعور بالخطأ وتأنيب الضمير، وأن هذا التفكير أو الهواجس التي كانت تضغط عليّ وتخيفني هي التي أصابتني بتلك الحالة، وليس بالضرورة أن يكون الأمر حقيقياً!

وهذا ما يعرف نفسياً بالإيحاء الذاتي، وتأثير التوقّع، أو التحقق الذاتي للنبوءة، فالإنسان لا يرى الواقع كما هو دائماً، بل كما تهيئه مخاوفه وتوقعاته وذاكرته الداخلية لرؤيته!