من أكثر التجارب الأدبية العميقة التي اطلعت عليها باهتمام وتأمل شديدين، تجربة الروائيتين: البريطانية دوريس ليسنج، والمجرية أغوتا كريستوفر، فمسارات حياتهما بقدر ما تتوافق ظاهرياً على الأقل، إلا أن النتاج الأدبي العميق والنهايات التي مشت كل منهما إليها لم تختلفا كثيراً، صحيح أن دوريس نالت جائزة نوبل للآداب ولم تحصل عليها كريستوفر التي توفيت بعد سنوات من المجاهدة والتعب والتنقل ما بين وطنها ومكان استقرارها، إلا أن هناك خيطاً جامعاً يجعل التجربتين تسيران في المجرى نفسه وتنتهيان إلى البحر الكبير ذاته!
ولدت دوريس في كرمنشاه في إيران، ثم انتقلت مع والديها بحكم عملهما إلى بريتوريا، حيث كان البيض يسيطرون على جنوب أفريقيا في مرحلة ازدهار الإمبراطورية البريطانية، بينما ولدت أغوتا كريستوفر في 30 أكتوبر 1935 في بلدة ريفية فقيرة جداً، الأمر الذي منحها تماساً مبكراً مع حياة بسيطة، قاسية جداً، وخالية من الترف - وهو ما يظهر لاحقاً في أسلوبها الجاف والمقتصد.
تركت كل ذلك لاحقاً وهاجرت إلى سويسرا لظروف سياسية واقتصادية قاسية، هذه الظروف التي مرت بها هاتان الكاتبتان ستكون «مادة خاماً» أعادت تشكيلهما فنياً وفكرياً، ورسمت طبيعة أدبهما المقاوم للحروب والتمييز والفقر وغير ذلك.
لا مجال لإحالة هذا الأدب الإنساني الذي أنتجته المرأتان إلى أي تصنيفات خارج سياق التجربة الإنسانية العميقة جداً، فلا هو بالأدب النسوي ولا أدب الاستعمار والاشتراكية، إنه أدب مقاوم لكل البؤس والقبح اللذين تسبّبهما الحروب وتعكسهما على حياة الأطفال تحديداً، وهذا ما ظهر بوضوح في «ثلاثية الدفتر الكبير» لأغوتا، و«سجون كيف نختارها» لدوريس ليسنج!
أثّر مكان الولادة والنشأة، والظروف الزمانية في وجدانهما، فانتقلتا من هامش المكان والفقر إلى الوعي النقدي الواضح والقوي كما عند دوريس، التي تحول عندها الفضاء الإمبراطوري البريطاني والواقع الاستعماري القائم على التمييز العرقي إلى احتكاك دائم لم يُنتج مجرد تعاطف أخلاقي، بل أنتج وعياً بنيوياً بالسلطة: فطرحت في أدبها أسئلة كبيرة مثل: كيف تُبنى السلطة؟ وكيف تُبرَّر؟ وكيف تُمارَس؟ لذلك نجد أن رواياتها لا تهاجم العنصرية كقيمة أخلاقية فقط، بل تفككها كنظام اجتماعي ونفسي معقّد.
أما أغوتا كريستوفر فقد ولدت قبل سنوات قليلة من اندلاع الحرب العالمية الثانية، ما يعني أن طفولتها تشكّلت بالكامل تحت ظل الحرب والخوف والاضطرابات وانهيار البنية الاجتماعية، وهذه ليست خلفية بعيدة، بل مادة تكوينية صنعت خيالها الأدبي كما في كتبها الكثيرة التي وثقت كل ذلك.