عندما أفكر في الإرث الديني والاجتماعي والأدبي الشفاهي وغير الشفاهي، الذي يشير إلى أثر وتأثير الكلمة في النفس، وتحديداً الكلمة القاسية وشديدة الإيذاء حين يقولها الشخص دون أن يلقي لها بالاً، ودون أن يلتفت خلفه ليرى أثرها في من يحدثه، أو يتفقد ما صنعته تلك الكلمة حين هبطت كفأس على روح لم تكن تنتظر تلك الصدمة، أو حتى دون أن يعتذر إذا أدرك مقدار خطئه، أتفهم تماماً لماذا تنفصم العلاقات ويفترق الناس، ويختفي الأصحاب من حياة بعضهم، والمؤسف حين يختفي الإنسان عن نفسه، وهنا تكون الطامة الكبرى!
بحسب علماء وأطباء الأمراض النفسية، فإن من أشدّ الاضطرابات النفسية قسوة تلك الحالة التي يمكن أن يمر بها شخص تعرض لفترات طويلة من الإيذاء النفسي المتعمد أو غير المتعمد، أو التقليل من قيمته، وبالتالي كسره من الداخل وإشعاره بأن لا قيمة ولا أهمية له، أو حتى شعوره الملازم والمتكرر بالفشل، وهذا شعور قاتل بمعنى الكلمة يمكنه أن يقود صاحبه للانتحار أو العزلة أو الجريمة إذا لم يتعافَ منه بأساليب علاجية مقننة، إضافة للصدمات العاطفية القاسية.
وهنا فإن الذين يقللون من تأثير التجارب والصدمات ينسون أمراً مهماً، هو أن صلابة وهشاشة الشخصية تختلف من شخص لآخر، لذلك يعتبر كلام البعض أن التجربة العاطفية القاسية لا تؤثر في الرجل أو الإنسان الطبيعي وأن القول بهذا لا أساس له من المنطق، وبحاجة لمراجعة وتمهل، فهناك من ينهار فعلاً!
يقول المختصون النفسيون إن التعرض الدائم للأذى والإهانة وفقدان الإنسان إحساسه بالأمان، يمكن أن يجعل عقله يتخذ قراراً غريباً بـ«العودة إلى الوراء»، فيسترجع مراحل سابقة من العمر تعود لسنوات طفولته أو مراهقته مثلاً، حتى يستقر عند لحظة الأمان التي يتذكر أنه عاشها وكانت هي اللحظة التي يود استعادتها، وهنا يتوقف ذهنه وتفكيره ومشاعره عندها، ويصير يتصرف وفقها، ووفق العمر الذي كان فيه لحظتها!
من هنا يقال لنا: إن الكلمة مفتاح الجنة والنار والسعادة والبؤس، كل ذلك يحدث بكلمة، فانتبه لما تقول!