لماذا يعتقد البعض عندما يشاهدون أو يسترجعون فناً أو تراثاً قديماً أو غناء، أو حتى علاقات اجتماعية تعود لأزمنة مضت، أن زمناً أفضل قد فاتهم اللحاق به، فيصبحون أسرى حلم العيش في تلك الأزمنة الجميلة، أزمنة الفن العظيم، حيث ازدهرت الفنون وبزغ نجم أولئك الفنانين الكبار، وتألق الفن وسطعت أسماء عبقرية كأم كلثوم وفيروز في سنوات الستينيات مثلاً؟ يتمنى هؤلاء في الحقيقة أن لو أمكنهم - بآلة زمن أسطورية - العبور إلى القرون الماضية أو فترة ما بين الحربين أو إلى ستينيات القرن الماضي ليعايشوا ألق تلك الإنجازات، على الرغم من أن هذه الأزمنة لم تكن أزمنة مثالية بشكل مطلق، بل كانت على الجانب الآخر منها أزمنة استعمار وظلم وفقر وأمراض وانحطاط لأمم وشعوب كثيرة.
يبدو الإنسان في جانب كبير منه محكوماً بالنظرة والتفكير الرومانتيكي المثالي، أو الساذج، إن أردنا دقة التعبير، لذلك غالباً ما يقع فريسة أفكاره الرومانسية التي تحجب عنه أكثر من نصف الحقيقة!
مع ذلك، ففي التجارب الفنية رفيعة المستوى؛ كتجارب الموسيقيين العباقرة، والفن والسينما العملاقة التي كانت تجسد القيمة والمعنى، أكثر مما تبحث عن مناطق الجمال والمواجهة مع الواقع، تلك التجارب غالباً ما تأسرنا جميعاً، ونتمنى إن لم نتمكن من ركوب آلة الزمن والعيش في أزمنتها، أن يتمكن واقعنا الحالي من استنساخ مثلها، أو تقليدها، أو مقاربتها على الأقل. وهنا يطلّ السؤال مجدداً: ما المانع من تكرار تلك التجارب؛ كتجربة الرحابنة وفيروز، وظهور بيتهوفن جديد، وبزوغ عصر نهضة جديد، وسينما إيطالية كالتي كانت في سنوات الألق؟
الحقيقة هي أن الفن في تلك الأزمنة لم يكن ترفاً أو صناعة، بل كان حاجة وجودية. السينما الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية، أو ما يعرف بالواقعية الجديدة في السينما الإيطالية، خرجت من الخراب، من الفقر، من الشوارع المدمرة بعد الحروب، وأفلام كأعمال فيليني لم تكن تبحث عن الجمال فقط، بل عن معنى البقاء، أما السينما المصرية في الستينيات فقد ارتبطت بمشروع دولة، وحلم جماعي، وصعود طبقة وسطى، تلاقت فيها الثقافة، والمسرح، والموسيقى، والتعليم.
هذا يعني أنه حين يكون الفن ضرورة، يصل إلى عمق مختلف تماماً. وكذلك الأدب والفلسفة، وكل الفعل الإنساني بشكل عام.