كل حديث عن الصداقة يجري بين مجموعة من الأصدقاء، أو يتم طرحه عبر الأدب كثيمة تناولتها أعمال روائية وسينمائية كثيرة، لا بد أن يضع هذا السؤال في عمق الحكاية: بعد مضي الزمن على علاقات الصداقة، والتحولات التي تحدث للأصدقاء ضمن هذه الصداقة، إن كانت على مستوى المشاعر أو الأفكار والتوجهات أو الخيارات المتعارضة بينهم أحياناً، هل يمكن استعادة ما فات وما كان بينهم؟ هل يمكن أن تصمد الصداقة وكأن الزمن لم يعبر، أو كأنهم لم يتغيروا؟ أم أن كل محاولة للعودة ليست سوى وهم؟
عندما تصدى الأدباء للإجابة من واقع تجاربهم أو خبرات عايشوها أو شهدوها عبر زمن ممتد، كانت إجابتهم وإن كانت بشكل غير صريح: لا يمكن استعادة ما فات، بمجرد رغبة مفاجئة تجتاح الأصدقاء ليعودوا كما كانوا، وكأن زمناً لم يمر ونهراً عاتياً لم يحفر الطرقات ويقطعها بينهم!
للزمن سطوة هائلة، وما يفعله بالبشر يتم عبر عوامل لا تعد ولا تحصى، والنتيجة أنه يغيرهم تماماً، فلا يعودون هم أنفسهم الذين كانوا صغاراً أو شباباً سذجاً، الزمن يسرق من الناس، ليس فقط هشاشتهم الإنسانية المحببة التي تمنحهم تلك الطيبة والفزع والخوف الذي يجعلهم يهرعون ببراءة لأصدقائهم، لكنه يسرق البراءة نفسها والحذر والحرص، يستبدل الزمن كل ذلك بالصلابة والقسوة واللامبالاة، وبذلك الشعور المتغطرس المتمثل في القدرة على الاستغناء أو التخلي، بينما الصداقة في أساسها علاقة إنسانية قائمة على الاحتياج والانتماء.
في رواية «التائهون» للبناني أمين معلوف، وفي رواية «أصدقائي» لليبي هشام مطر (كلاهما يكتبان عن الصداقة من خارج الوطن، وكأن الصداقة هنا بديل عن الغربة والمنفى) يحاول الكاتبان بعمق شديد أن يطرقا فكرة العودة أو الحنين للماضي كضرورة نفسية لكل منا، لكن كل محاولة للعودة هي مواجهة واعتراف بالفقد، لا استعادة للصداقة.
ما يعني أنه لا يمكننا أن نعود إلى ما كنا عليه، لأننا لم نعد أولئك الأشخاص الذين عاشوا ذلك الزمن الذي لم يعد موجوداً.