هل تعتبر الطريقة التي نبدأ بها نهارنا شأناً خاصاً يختلف من شخص لشخص؟ أم إننا يمكن أن نجد نمطاً إنسانياً موحداً للطريقة التي يبدأ بها النساء أو الرجال نهاراتهم بحسب الزمن وظروف الحياة؟

أتذكر في طفولتي أنه كانت لبيتنا طريقته الثابتة في استقبال الصباح، تمضي بنفس الوتيرة كل يوم، لا يختلف يوم عن آخر، حيث لا يختلف النسق اليومي هذا، إن كان اليوم يوم جمعة أو يوم إجازة، وغالباً ما كانت جدتي هي من تفتتح الصباح وتقرع جرسه، كما تفعل ناظرة المدرسة، التي هي فقط من لها الحق في قرع جرس الصباح، إيذاناً ببدء اليوم المدرسي، انطلاقاً من اصطفافنا في طابور الصباح!

ومثل ساعة سويسرية لا تؤخر ثانية ولا تقدم ثانية، تظل تجري في ميناء الساعة ببوصلة مضبوطة تماماً، وتظل هكذا إلى أجلها المحدد، هكذا كانت تبدأ جدتي اليوم، قبل أذان الفجر، وقبل أن ينهض جدي، هو ينهض بناء على خشخشتها، وأذكار الصباح التي تظل ترددها وهي تتحرك، ثم، وبعد أن يرفع الأذان، وتؤدي صلاتها، وتوقظ كل من في البيت، ويتساقط النور من كل جهة، مالئاً المساحات التي كانت متدثرة بالظلمة طيلة الليل، هنا يبدأ الكل في الحركة الواضحة، والهمهمة، وصبحكم الله بالخير، التي تتردد في أرجاء البيت.

تغادر جدتي حجرتها التي كانت سابقاً مجرد خيمة بسيطة، وتتجه للمطبخ، كنا نسميه مطبخ جدتي، فهي من تفتحه صباحاً، ومن تغلقه آخر الليل، ومن تعيد ترتيب (الوعيان في داخله)، والاطمئنان إلى أن احتياجات البيت للأيام التالية متوفرة في السحارة الخضراء الكبيرة الكالحة، التي تربض بهيبة في طرف المطبخ، كمغارة لا يدرك كنوزها إلا من أطل فيها، وقد كنت أفعل كل يوم، عندما تفتحها جدتي لتستخرج منها كيلة أرز أو بعض البهارات واللومي الأسود الجاف.

صباح جدتي يبدأ بإشعال الجمر، وإعداد الموقد، ثم حلب البقرة، وتجهيز إبريق الحليب، ووضعه على جانب الموقد ليغلي على مهل، تخرج بعد ذلك عجينها الذي عجنته في وقت متأخر الليلة الماضية، تقطعه وتكوره وتجعله أقراصاً، ثم تمده على هيئة أرغفة، ثم تخبزه وتقدمه فطوراً لنا مع الحليب.. ولجدي مع القهوة!

من لا يزال يبدأ نهاره هكذا؟