للإنسان علاقة وثيقة وعضوية بمكانه، أو بمدينته بمعنى أدق. عندما قرأت كتاب (الروائي ومدينته) لمجموعة من الكتاب الروس يتحدثون فيه عن علاقة الكاتب الروسي الشهير ديستويفسكي بمدينة سانت بطرسبرغ، مدينته التي عاش فيها معظم سنوات حياته وتنقل بين أكثر من بيت فيها وكتب معظم أعماله الشهيرة فيها، وجدت مدى تأثير المدينة في فكر وسلوك ونتاج الكاتب حتى أنه يصير ذاكرتها وتصير الدم واللحم في أعماله، حتى يمكنك هناك أن تبحث عن المنزل الذي حدثت فيه جريمة قتل العجوز المرابية في (الجريمة والعقاب) والبيت الذي انتقل فيه بعد أن هرب من الدائنين جراء إدمانه لعب القمار!
أما في الأدب العربي، فالمدن متحف الذاكرة والأساس الذي يتكئ عليه الكتاب لبناء أفكارهم وشخصيات أعمالهم بكل انكساراتها وإشكالاتها وطبيعتها، تصير المدن في الأدب كائنات نفسية عندما تُرى من داخل الشخصية لا من خارجها، فتحمل ذاكرة تشبه ذاكرة الإنسان.
اليوم ونحن نشهد انهياراً جديداً لبيروت أمام أعيننا، بيروت تحديداً، نعي أنها كمدينة كانت المثال الحقيقي الذي جسد طبيعة الشخصيات في الكثير من الأعمال: مثل رواية (أيام زائدة لحسن داوود)، (غيبة مي لنجوى بركات)، (بيروت مدينة العالم لربيع جابر) (شريد المنازل لجبور دويهي)، (لخطايا الصغيرة لحنان الشيخ)،... وغيرها.
كما تجسد انهيار وتفكك وتوحش بغداد في رواية فرانكشتاين في (بغداد لأحمد السعداوي)، وكما تجسدت القاهرة والإسكندرية في أدب محفوظ وخيري شلبي وإبراهيم عبدالمجيد! المدينة في هذه الأدبيات لا تعكس صورة البطل فقط، بل تبتلعه، وتعيد تشكيله على صورتها هي، فهو منكسر إذا كانت منكسرة، ومنهار إذا كانت متهدمة ومنهارة و... وبلا هوية إذا بدأ في فقدان ذاكرته كما في (غيبة مي لنجوى بركات)!
ما الذي يميز بيروت تحديداً؟ ما الذي يجعل الحزن يحفر قلوب محبيها وهم يرونها في كامل استباحتها هكذا؟ لأن بيروت ليست مدينة عاكسة فقط، بل مدينة تُضاعف الألم.
لأنها لا تُنسى تماماً ولا تَنسى أبداً، ولا تترك لتتعافى تماماً، فهي تعيش دائماً على خط التماس بين حربين وانهيارين وذاكرتين وزمنين، إنها دائماً في حالة قصوى بين الحياة والخراب، مثل أبطال رواياتها تماماً!