مهما امتلك الإنسان من الأموال التي يمكنه بواسطتها الحصول على كل ما يحتاج وما يرغب وما يحب فإن هذه الوفرة المالية إذا لم يصاحبها معالجة شافية للجوع الداخلي يصبح كل سعي للامتلاك أشبه بمحاولة شخص إطفاء ظمأ لا ينطفئ أبداً، هكذا يتحول البعض من الشراء والامتلاك استجابة للحاجة إلى الوقوع في فخ الاستهلاك الشره الذي لا سبيل لإيقافه وعقلنته، وهنا يتحول المال من وسيلة للراحة إلى وسيلة لإدامة القلق والخوف ومداراة الثغرات الداخلية التي تولدت نتيجة جروح ومواقف واحتياجات قديمة.
إن الشراء النهم والاستهلاكي غير المبرر وغير العقلاني غالباً ما يعبّر عن أزمة مع الذات أو جرح قديم منذ أيام الطفولة أو المراهقة ترك أثراً لا يمكن محوه إلا بتغطيته على طريقة «داوها بالتي كانت هي الداء»! فمثلاً إذا وقف طفل ذات يوم محروماً من امتلاك حذاء كبقية رفاقه وتعرض لتنمرهم ونظراتهم الساخرة فإن كل أحذية العالم لا يمكنها أن تدوس على ذلك الأثر وتخفيه، وسيظل يشتري أحذية لن يرتديها، لكنه يحاول أن يضعها في قدمي ذلك الطفل الذي وقف وحيداً يتخبط في خجله تحت نظرات رفاقه، وكلما تباعدت القدمان الصغيرتان حاول صاحبه أن يبحث عن أحذية أكثر!
هذا التصرف ليس جوعاً للحذاء، ولكنه جوع نفسي عاطفي، جوع لاستعادة تلك الكرامة التي كسرت باكراً، جوع للشعور بالقيمة والمكانة، وجوع للانتماء للطبقة القادرة اليوم على امتلاك أي شيء وكل شيء.
إن كثيرين ممن عاشوا الحرمان، خاصة حرمان الطفولة أو المراهقة، يكبرون ويكبر فراغ هائل في داخلهم، فراغ أشبه بندبة، لا تنمحي، ولكن تتحول لرغبة جامحة في الامتلاك لكل ما يعبر عن «القوة» أو «الوفرة» أو «السطوة» أو «الكرامة»، حتى وإن كان عبر أكثر الحاجات تفاهة أو زيادة عن الحاجة. أما الغني الحقيقي فليس بحاجة لأن يرى الآخرون ساعته الثمينة أو حذاءه أو تذكرة الطائرة على الدرجة الأولى، فقط من أصبح غنياً بعد حاجة وبؤس بحاجة ماسة لذلك!