في الطريق إلى خورفكان

بينما تنطلق بنا السيارة قاطعة طريقاً طويلاً هادئاً وآمناً من مدينة دبي إلى مدينة خورفكان، دارت الأحاديث بيني وبين مرافقتي حول الكثير من الظواهر والملاحظات والانطباعات، وقد بدا واضحاً أن صديقتي كانت منبهرة بمظاهر الطبيعة التي نعبرها، الجبال شديدة التنوع والتلون، الصحراء الممتدة، بساتين النخيل، القرى التي ترصع الوديان الممتدة، وآثار الأمطار التي تدفقت شلالاتها منذ يومين، كنا بالفعل في عمق تظاهرة طبيعية لا تثير في نفس عابرها سوى الدهشة والإعجاب والإجلال.

انتهى بنا الطريق إلى المكان المقرر أن تنعقد فيه جلسة النقاش التي دعيت للمشاركة فيها حول مجموعتي القصصية «خوف بارد»، بدعوة كريمة من استراحة معرفة إحدى مبادرات مؤسسة محمد بن راشد للمعرفة، لكننا قبل أن نصل إلى وجهتنا تلك ظلت أصداء الحديث الذي تجاذبناه سوياً، أثناء الطريق، تتردد في داخلي، فعند كل تفصيلة من الطريق كان هناك شاهد وحكاية وإعجاز إنساني يقول بألوان الطبيعة وروحها وعظمتها: كم هو رائع هذا الإنسان الإماراتي الذي ساد هذه الأرض منذ أزمنة بعيدة، فطوّع الطبيعة وتآلف معها وسخّرها وتجذّر فيها، فصار ابنها ونتاجها، وصارت شاهدة عليه وله ولأجله.

مررنا ببساتين نخيل خضراء ممتدة، بدت طلاعها تلوح بوضوح بهية نضرة تبشر بموسم ثمر وفير، لم تكن البساتين ممتدة في أرض مستوية ولا أراضٍ زراعية ممهدة، كانت تنبثق من بين الجبال القاسية لتمنح الناظر ذلك الإحساس بالشجاعة والصلابة والصبر، فهؤلاء المزارعون البسطاء صناع الأمل، يستحقون الحياة لأنهم يحبونها، هم المزارعون الآمنون المقاومون الباقون في أرضهم، الذين يحرسون إرث الأجداد، ويحمون رزقهم ليل نهار، كما يحمون الحياة من خلال ذلك.

ولاحت على جانبي الطريق قرى وتجمعات صغيرة، اختار أهلها أن يبقوا فيها، لم يخذلوا إيمان المكان بإنسانه، ولم يتخلّ هو عن هويته أبداً، وهذا هو مصير الإنسان في كل شبر من الإمارات، هذه أرضه، بمدنها العامرة وجبالها الصلدة، بوديانها وقراها وسواحلها وصحرائها، لن يتركها ولن يكون إلا فيها مهما حامت في السماء غيوم أو سحب، فكل غيمة ستسقط ماءها، وكل سحابة ستفرقها رياح السماوات لتعود أجواؤنا صافية نقية كقلوبنا.