مسرات الحياة

النصيحة الوحيدة التي يمكنني أن أقدمها للجميع: املأ قلبك بالثقة، ولا تشاهد القنوات الإخبارية كثيراً. لماذا هذه النصيحة؟

لأن الإنسان لا يمكنه العيش دون ثقة! أن يثق بشخص أو فكرة أو قيمة معينة، الاستمرار في هذه الحياة بدون الثقة نوع من المتاهة، الثقة بالله تغني الحياة، الثقة بالعائلة تجعل الطريق أسهل، الثقة بالأصدقاء والخير والمحبة، الثقة بالغد أمر لا تعاش الحياة إلا به، أما الكثير من الأخبار فأحد الابتلاءات الحديثة، وهو ابتلاء لا يقود لغير القلق والحزن والزيف.

حياة الإنسان عبارة عن رحلة قصيرة جداً، ورغم قصرها ومشاقها، إلا أنه يتحتم علينا أن نحمل أمانتها ونتحملها كما يجب، لذلك فحكمة الحياة ليست في وجود المكافآت والمفاجآت في نهاية الرحلة، بل إن الحكمة في الطريق نفسه، الطريق أهم من الوصول، حيث فيه يكمن الجوهر والمعنى، بحسب الطريقة التي نتبعها والطريق الذي نختاره.

الروائي الألماني هيرمان هسه واحد من أكثر الروائيين الذين أمضوا حياتهم في الدراسة والبحث في الذات ومعنى الحياة عبر رحلة الإنسان انطلاقاً من داخله إذا أراد تحقيق السعادة!

ولكن ما السعادة من وجهة نظر هذا الكاتب العظيم؟ يختصر هيرمان هسه الأمر فيقول: «السعادة لا تأتي من الإنجازات الكبيرة أو الثراء، بل من الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية». هذه الخلاصة التي جاءت عبر كتابه «مسرات الحياة البسيطة».

والحقيقة، فإن الحياة خليط من التفاصيل الكثيرة: من المواقف، والأفكار والبشر، والعلاقات، والتجارب والنجاحات والأسرار والأخطاء والانكسارات.

في النهاية، فإن القدرة على الاستمتاع بمسرات الحياة البسيطة، كما يقول هسه، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بترويض النفس على عادة الاعتدال.

إن القدرة على الاستمتاع هذه تفترض أساساً وجود أشياء لم يعد إنسان الحداثة يلتفت إليها فاختفت أو طواها النسيان، كممارسة الابتهاج، والقدرة على إظهار الحب والإعلان عنه، والارتباط بكل ما يحيط بنا بشكل شاعري!

نحن نحتاج في وقت للالتفات إلى هذه الأشياء، والنبش في الحياة لإظهارها، ذلك أن وطأة ومآزق الحياة تدفنها تحت ركام المشاكل والمواقف والصراعات، وما علينا سوى الالتفات لها ولفت أنظار الجميع إليها.