بينما يتخبط الناس في الخوف عالقين داخل دوائر مغلقة من الأخبار العاجلة والتحليلات المتشائمة التي تتدفق في وجوههم وعلى أسماعهم من خلف شاشات وقنوات وجهات لا تعد ولا تحصى، يفعلون ذلك ليل نهار منذ أن اندلعت هذه الحرب الظالمة وكأنهم يبحثون عن يقين لا يأتي، أو خبر لا يصل، ومع كل خبر جديد يتضاعف القلق، وتتكدس طبقات من الخوف تملأ الأعصاب والقلوب والعقول، حتى يبدو الأمر وكأننا نشل أنفسنا بأنفسنا، فنعطل قدراتنا عن الفعل والعمل والتفاؤل تحت مطارق القلق والهواجس والتخيلات!
أما في الخارج، بعيداً عن هذا الضجيج المعبأ بالكذب والزيف والتوتر، والتضليل وخنق الحياة، فتمضي أنهار الحياة، شاقة طرقاتها بهدوء وألق وضوء ولون. لقد قررت أن أضع قدمي مجدداً في نهر الحياة الهادر وأسير مع تياراته، فأنقذني ما رأيت من وطأة الزيف الذي كان يحيطني عبر الأخبار والإعلام والتكنولوجيا.
غبت أسبوعاً كاملاً داخل غرف الخوف وغرف البيت، فلم أجن شيئاً، وحين سرت بين الأشجار، سمعت ضجيج الحياة كأجمل ما يكون، كل ما تركته منذ أسبوع تبدل، لقد مرت أيام تبدل فيها الهواء وأشعة الشمس وضوء القمر مئات المرات، فنبتت على الأغصان الجرداء براعم خضراء وأوراق صغيرة، استطالت شجيرات زرعت من مدة، وشقت بذور عن تربتها لتتلألأ متباهية أمام وهج الشمس، امتلأت أشجار الليمون في حديقة المنزل بالزهر كأنها تقدم وعوداً حاسمة بمواسم خيّرة، بينما تفتقت براعم النخيل من أكمامها في صمت كبياض الفجر، وتهيأت أشجار أخرى لمواسم مشابهة، لا شيء في الطبيعة يتوقف لأن البشر خائفون.
كأن الطبيعة تقول، بطريقتها الصامتة، إن الحياة لا تراهن على الخوف، بل على الاستمرار. لا على القلق، بل على الحركة. لا على الاختباء، بل على التفاؤل الذي يجعل البذرة تشق طريقها في التراب كل لحظة، لهذا بالذات يجب علينا أن ننصت للأشجار أكثر مما نتسمر أمام نشرات الأخبار، إن الحياة لا تُعاش بالترقب وحده، بل بالفعل، وإن الخوف، مهما بدا كبيراً، لا ينبغي أن يكون أقوى من رغبتنا في أن نعيش.