الإمارات.. تجربة الوعي

في سنواتي الجامعية، وأنا أدرس في قسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات، اندفعت بكل تلك الرغبة التي يفجرها الشباب البكر نحو المعرفة والاكتشاف والتعارف والقراءة، تركت نفسي أتعرف على الحياة الجامعية بكل مفاجآتها والتباساتها وتشابكاتها، ولأننا كطالبات صغيرات ننتمي لمجتمع شديد المحافظة، ينطلق نحو بناء تجربته الحديثة، كانت سنوات الثمانينيات ملتبسة جداً، ومرتبكة، لذلك تبدو التجربة التي عشناها في الجامعة مثيرة وجديرة بالتأمل وإعادة الاكتشاف.

كنا يومها صغاراً بلا تجارب ولا أيام صعبة، نغادر أسرنا وبيوتنا لأول مرة ونحلق بعيداً. وفي مدينة العين، حيث الجامعة ومقرات السكن الجامعي وسنوات دراسية استمرت لثلاث سنوات ونصف السنة، خضنا أول مواجهاتنا مع الحياة، والوعي، والمعرفة والآخر، ألقينا أنفسنا في ذلك النهر الهادر فاكتشفنا أول ما اكتشفنا ذواتنا والآخر وكيفية إدارة حياتنا وعلاقاتنا.

فكانت تلك التجربة العظيمة أول الحكاية وأول الطريق وبدايات الغد الذي صار الحاضر الذي نسكنه اليوم بطمأنينة، في تلك السنوات فهمنا بوضوح معنى الاتحاد ومعنى أن نكون مواطنين نستعد لبناء وطن ينتظر منا الكثير.

لقد خاضت أجيال التأسيس كلها هذه التجربة، فتكوّن لدينا وعي موحد وفهم واضح ووعي لا يمكن التلاعب به أو استغلال أصحابه، نحن أبناء الإمارات الذين اجتمعنا ذات عمر غض من كل مدن ومناطق الإمارات على مقاعد الدراسة ودروب السعي.

فانصهرنا معاً، وتصادقنا، ووقفنا معاً وجهاً لوجه أمام غيب آتٍ، مؤمنين بأننا أبناء الاتحاد وأن الاتحاد قدرنا وحياتنا ومستقبلنا وعزنا ورخاؤنا، يومها هتفنا: الله، الإمارات، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

اليوم، وفي هذه الظروف التي نمر بها وتعبرها معنا دول عدة، نقف ذات الوقفة بالثبات والإيمان نفسهما، لكننا صرنا مسلحين بالكثير، بقوة الأيام والتجربة، بالعمر وخلاصاته، وبالعلم والوعي وبأشقائنا وإخوتنا الذين تقاسمنا معهم عناء الأيام والعمل والكدح، نقف لنواجه تحدياً غير مسبوق، وحرباً عدوانية إيرانية فرضت علينا ولم نخترها، لكننا سنخوضها، وسنصمد فيها وسنجتازها بإذن الله، وسنهتف بإيمان ثابت: الله، الإمارات، القيادة. وسنعبر النفق لأيام أجمل وصباحات أكثر نوراً، فكل أزمة تنتهي، وكل مرّ سيمر!