يتبادر لأذهان معظم الناس أنك حين تتحدث عن العزلة، أو تقول إنك تفكر في العزلة كخيار منقذ من شرور الضجيج، أنك تعاني من شيء ما، أو أنك بالكاد خرجت من تجربة قاسية أو تمر بأزمة نفسية، فقد تعيش أزمة ما بعد الطلاق، أو الهجر، أو غدر صديق أو انهيارات ما بعد الخسارة أو الفشل أو الإفلاس..
هذه حالات تجعل الكثيرين يعرضون عن الحياة والبهجة وصحبة الناس ويختارون الصمت والعزلة، لكنني قلت في مقال البارحة إن الأمر ليس كذلك مطلقاً، لا انهيارات ولا أزمات ولا فشل، الحكاية باختصار أن العزلة قد تكون في أحيان معينة خياراً حكيماً لممارسة الحياة بشكل أفضل وأكثر عمقاً وإنتاجاً.
نعم، ففي العزلة تكتب أفضل، تقرأ أكثر، تتأمل بشكل أكثر عمقاً، تتعرف على نفسك، التفاصيل المحيطة واللصيقة بك والتي لا ننتبه لها غالباً ولا حتى نتذكرها.
فبعضنا ينسى أن يعرف تفاصيل منزله، الأماكن التي لم يلمسها أو يستخدمها فيه، ينسى كم مضى عليه في هذا البيت، متى قام بإجراءات صيانة له لآخر مرة، متى رأى جاره آخر مرة، متى تواصل مع أقربائه الذين غالباً ما لا يتواصل معهم، متى خرج باكراً ليقوم بجولة مشي صباحية، ومتى كانت آخر مرة تصدق عن والديه (هناك كثيرون ينسون القيام بذلك) هذه تفاصيل لا يتذكر كثيرون متى قاموا بها لآخر مرة، هذا إذا كانوا قد مارسوها من الأساس.
في أحيان كثيرة تكون العزلة خياراً لا بد منه، وليس قراراً تفرضه الظروف، خياراً يعيد ترتيب حياتك ونظرتك لنفسك ولمن حولك ولما حولك، لذلك ستشعر بعد زمن من العزلة هذه أنك تصير ممتناً لها، لكل ما منحتك إياه، وما دلتك عليه، وما فتحت عينيك عليه، وهنا فمن المهم أن تحدد في عزلتك هذه تلك المسافة الضرورية والآمنة بينك وبين الآخرين، إضافة لتقنين علاقتك بكل ما له علاقة بالتكنولوجيا ومواقع التواصل، فلا شيء يدخل الإنسان، أو أدخله في متاهة ضياع الأوقات والطمأنينة والقلق قدر ضجيج «السوشال ميديا».