احتفاء بالعزلة 1-2

عندما أعلن رسمياً عن أن يوم الأربعاء الماضي هو أول أيام شهر رمضان المبارك هنا في الإمارات وعدد غير قليل من الدول الإسلامية، استبشر الناس خيراً، وتبادلوا التهاني.

كما جرت العادة، ومن فاجأهم الإعلان سارعوا للتزود بمتطلبات أول أيام الصيام، ثم وسريعاً بدأت شاشات الهواتف تبرق حاملة تهاني الأصدقاء وتمنياتهم، لكن وكالعادة أيضاً بدأ لغط السوشال ميديا وفتاوى المعترضين والمتقولين.

فقال رجل في بلد عربي مشيراً إلى الهلال، إن هذا الإعلان خطأ، وإن حكومته تتحمل ذلك، بينما قالت سيدة إنها ستصوم اليوم التالي حسب ما تم الإعلان عنه منذ فترة طويلة! بينما قالت أمي بإيمان «مرحباً برمضان شهر الخير والعبادة»، وذهبت تدب بوهن لتستعد لصلاة التراويح برضا وسعادة.

لم أكتب مقالي من أول أيام رمضان، وها أنا أكتب اليوم بينما هلال رمضان قد قطع عشرة أيام من رحلته المباركة، لم تكن الأيام الماضية سهلة، عانيت فيها مشكلة صحية، أتمنى أن أتخطاها بسلام، فيما عدا ذلك.

فقد أمضيت أياماً وأنا أتأمل في حالة أو خيار العزلة، الذي بات كثير من الناس يفكرون فيها، من حيث ضرورتها وأوانها وحاجتنا إليها، ولماذا يهرب الكثير من الناس منها؟ لماذا يخاف الناس مواجهة أنفسهم؟ ولماذا يأنس الناس بأنفسهم؟ وأظن أن للتصالح مع النفس علاقة بالأمر!

أما العزلة التي أتحدث عنها اليوم، فليست في البعد عن الناس والوقوع في الوحدة والصمت والنفور من صخب الحياة، ولكنها العزلة التي تقربنا من الحياة التي نحبها، من الأشياء التي تشبهنا وتسعدنا وتريحنا، العزلة التي ترحمنا من الجري خلف كل شيء لنستبق الجميع في الحصول عليه قبل الآخرين.

والتي تنقذنا من هذه الاستباحة الدائمة التي تسقطنا فيها السوشال ميديا لنستعرض أنفسنا كل لحظة لنكون مطلوبين ومرغوبين ومؤثرين، العزلة الرحيمة الاختيارية التي نمارس فيها كل مظاهر الحياة بروية، واقتناع، بلا صراعات ولا أقنعة ولا زيف، العزلة التي نختبر فيها عمق الأفكار الكبيرة، التي تؤسس لوجودنا وتسنده وتحميه، أفكار مثل البحث عن المعنى، والغاية، والمحبة، والصدق، والحقيقة!