اشتهر الكاتب والناقد الأمريكي إدوارد نيوتن، بكونه واحداً من أبرز من كتبوا عن الكتب، لا باعتبارها أحد أهم أوعية المعرفة والثقافة فقط، ولكن لكونها شغفاً وحياة وأسلوب عيش لهؤلاء المغرمين بها، وهنا نتوقف عند هذه النقطة جيداً، فالكتابة عن الكتب ينظر إليها في الغرب بكثير من التقدير والأهمية، لا كما قال أحدهم (من أعيته الحيلة وأراد أن يؤلف كتاباً من الفراغ، فليكتب عن الكتب!)، إن هذه عبارة تحمل الكثير من الاستخفاف والغباء معاً!
إدوارد نيوتن ليس روائياً بالمعنى التقليدي، ولا فيلسوفاً ولا أستاذاً في الأدب، لكن يمكننا القول إنه كاتب مختص في الكتب التي تتحدث عن محبة الكتب، وهذا توصيف قد لا يأخذه البعض على محمل الجد، لكن علينا أن نتمهل قليلاً، فلكي يكتب الإنسان عن الكتب، يجب أولاً أن يقرأ كثيراً، وفي مجالات لا تعد ولا تحصى، أو أن يقرأ بتبحر واستفاضة في مجال بعينه.
فيظل طوال الوقت ممتلئاً بحب الكتب، وشغوفاً بها، ومحاطاً بأكبر كمية منها، ولقد نشأ شغفه بالكتب أو نتج عن شغفه بها، أن أصبح واحداً من جامعي الكتب المهمّين، فجاءت كتاباته عن الكتب من عمق التجربة، لا من خارجها.
الأهم في كتابته النقدية التي تميل لحِسّ النوستالجيا، أنه كتب بأسلوب هادئ، وساخر معاً، ليخاطب القارئ كصديق يشترك معه في حب الكتب، والأهم أن يتعامل مع الكتب بوصفها كائنات حيّة، تشارك الإنسان وحدته وذاكرته. وحديثه عن متعة أن تكون محاطاً بالكتب، هو في جوهره دفاع عن علاقة حميمة، شبه وجودية، بين الإنسان والكتاب.
حين كان يسأل لماذا كل هذه الأكوام من الكتب، كان يقول إن الكتب ليست للقراءة فقط، بل للحضور، فهو يرى أن وجود الكتب حولك، حتى تلك التي لم تقرأها بعد، يمنحك شعوراً بالطمأنينة، كأنها وعود مؤجّلة، أو حيوات إضافية تنتظر دورها. المكتبة ليست سجلّاً لما قرأته، بل خريطة لما يمكن أن تصير إليه.
أيضاً فإن الإحاطة بالكتب تعتبر شكلاً من أشكال الثراء الهادئ، ليس الثراء المادي، بل عن وفرة داخلية، أن تنظر حولك فتجد عقولاً أخرى، عصوراً أخرى، أصواتاً بعيدة، لكنها متاحة. هذا الإحساس بالوفرة، يخفف من قسوة الزمن ووحدة الفرد.