يقول أحد الآباء شاكياً أو متذمراً أو متأففاً أو معترضاً، أو كل ذلك: «أبنائي لا يتحدثون العربية، وصرت لا أفهم نصف كلامهم عندما يتحدثون مع أصدقائهم، وما يجعلني حزيناً أكثر، يقول الرجل، أنهم لا يتكلمون معي ومع والدتهم، إنهم يقضون طيلة الوقت يسمعون الأغاني أو يلعبون الألعاب الإلكترونية»! هذه ليست شكوى رجل أو أب واحد في الحقيقة، إنها شكوى عامة، تجاه ظاهرة جيل بأكمله!
من يتسبب في المشكلة أو يكون العامل الأساسي في حدوثها لا يجوز له بأي حق أن يلوم أحداً إذا وصلت تلك المشكلة لدرجة التأزيم، لقد كان هذا الأب في لحظة ما قادراً على تحجيم تلك المشكلة والحد من تفاقمها، نعم كان ذلك ممكناً في لحظة ما وعمر ما، لكنه تهاون، أو تغافل، ولم يستشعر الخطر أو يبذل الجهد، فأفلت الزمان من يده في نهاية الأمر تاركاً الأبناء تقلبهم أمواج الحداثة كما تشاء!
وعندما آل الأمر إلى استحالة العلاج أصبح يشكو ويتذمر ويسخر من هذا الجيل الذي لا يعرف لغة أمته ولا لهجة قومه، ولا ثقافتهم ولا عاداتهم و«سنعهم» وأعرافهم، فمن أوصله لذلك يا حضرة الأب الفاضل؟ ضع نفسك في مواجهة مرآة النفس.. لا أكثر!
إن تعزيز الفردية، وتفضيل لغة أخرى على لغتنا، واتباع أساليب التربية الحديثة بشكل مبالغ فيه، من أكثر الأزمات التي نعاني آثارها اليوم، لأننا لم نعرف كيف نتعامل معها بالحذر والتوازن المطلوب، فانسقنا وراءها كالعميان ظناً منا أن هذه التوجهات هي الدليل الحقيقي على تحضرنا وتطورنا، وقد كنا مخطئين كثيراً، لأن الحقيقة تقول:
إن الفردانية هي فلسفة تعاني مجتمعات الغرب من بؤس مآلاتها اليوم بشكل قاتل، أما تفضيل لغة ثانية على لغتنا الأم فهي جريمة في حق الهوية والانتماء وثقافة الجيل، وأما الأساليب الحديثة فتحدثوا عن نتائجها ودون حرج!
أولادنا لا يتكلمون لأنه لا شيء يدفعهم لذلك، لا حاجة ولا مشكلة ولا مطلب، والآباء يهربون للأمام رغبة في إراحة أدمغتهم وهروباً من مواجهة المشكلة.. والنتيجة؟ أن يأتيك أب ليشكو ويتأفف ويتذمر في الوقت بدل الضايع!