غيبة ميّ، للبنانية نجوى بركات، التي صعدت للقائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية، رواية صدرت في عام 2025 عن دار الآداب، التي قدمت الرواية على أنها نص «يتصدى لفخاخ الذاكرة ورضوض القلب وامتناع الرغبة بالتورط، حتى مع... قطة»!

تعالج الرواية موضوع الذاكرة والزمن وراهنية الواقع الذي ترزح ميّ تحت ثقله، مع تبدلات كل شيء حولها، ميّ، السيدة الوحيدة التي تزحف نحو تسعينياتها، وتسكن شقة واسعة بالطابق التاسع في بناية مكونة من عشرة طوابق، بمدينة بيروت، التي تعاني بسبب كل ما عبرته ومرت به، وعليه، فـ «ميّ» وبيروت وجهان لعملة واحدة، لذلك تُقرأ الرواية، بوصفها نصاً لم يفقد راهنيته وصلته بالواقع، لأن حالة بيروت لم تتقدّم خطوة واحدة للأمام، منذ نجت من الحرب الطاحنة التي أكلت أخضرها ويابسها، واستنزفت شبابها الذين تزاحموا في طرقات الهجرة فراراً من واقعها.

ما قالته الرواية عن بيروت ما بعد الحرب الأهلية، يتقاطع اليوم مع بيروت ما بعد الانهيار الاقتصادي، وانهيار الليرة، وما بعد انفجار المرفأ، وما بعد سرقة أموال المودعين، فبعد كل كارثة تمر بها بيروت، كان يجري التعامل معها بالآلية نفسها: الصمت ثم التكيّف، ثم النسيان اللاإرادي. يجب عليك أن تنسى كي تعيش وتستمر في هذه المدينة، لكن عليك أن تتخذ إجراءات حمايتك بنفسك، لأنه لا أمان مهما كان، لذلك فلا أبواب تقيك شر اللصوص والقتلة، عليك أن تضع على باب شقتك باباً من الحديد، وتسكن في الطابق الأعلى لتأمن كل الشرور!

لا تقدّم الرواية الحرب والانفجار وانعدام الأمن بوصفها أحداثاً منتهية، بل بوصفها حالة مستمرة، تتغيّر أشكالها ولا يتغيّر أثرها. بيروت في «غيبة ميّ» مدينة تعيش فوق طبقات من الخراب المخبأ غير المعترف به، وهي الصورة نفسها التي عليها (الست ميّ)، حين تجلس قبالة نفسها (هي)، لتنبش خرابات ماضيها، وجروح ذاكرتها العميقة!

لقد انهارت ميّ في النهاية، جنّت وغابت تماماً، وإن أخطر أشكال الانهيار حين يتآكل الإنسان ببطء، ويموت دون ضجيج، وحين اقتيدت للعصفورية، لم يكن ذلك لأنها جنّت، لكن لأنها لم تعد قادرة على أداء دور «الناجية».