أبناء دبي الذين يشبهونها 2-2

وبما أننا نتحدث عن دبي وأبنائها، فإن دبي ابنة البحر، وأبناؤها لم يرتبطوا بشيء ويتعاملوا معه طيلة حياتهم أكثر من البحر، فكان مصدر رزقهم، ولون جلدهم، وملعبهم وألعابهم، هواياتهم وحرفهم وأخلاقهم واتساع آفاقهم ومعارفهم، كل هذا كان مرده ومرجعه إلى البحر، الذي ظل لعقود طويلة يشكل حمضهم الثقافي وخريطتهم الجينية.

سيف محمد بالقيزي، عليه رحمة الله، واحد من أعمدة صناعة السفن في دبي، نجار كبير يشار له بالبنان، تدرب على أسرار الحرفة، وزاولها وهو ابن عشر سنوات بعد أن فقد والديه، لكنه أصبح معلماً وأستاذاً تربت على يديه أجيال، وأسماء.

عرفه شباب العائلة نتيجة تواجدهم في منجرة خالي، ونتيجة العلاقات الثابتة التي كانت بين خالي وأستاذه سيف، وقد عرفته سماعاً، لكثرة ما كان خالي ووالدتي والرجال يتحدثون عنه وعن حرفيته وإتقانه وصرامته وشهرته في كل مكان، وقد أسس أول مصنع للسفن في دبي برخصة تجارية استخرجها عام 1974، وأظن أن أسرته من بعد وفاته تعكف باجتهاد وحرص على تأسيس متحف يضم إرثه الكبير في هذه الحرفة العريقة، التي مارسها معظم الحرفيين الكبار بطريق الإلهام والهواية والتدريب والممارسة وحب الإتقان، دون مخططات أو دراسة، هذا الإرث هو جزء مهم من هوية دبي الحقيقية وتاريخها الناصع، وسجل أبنائها العظماء.

كان إتقان أساتذة الحرفة المعروفين، وتمكنهم من تصنيع وتنفيذ تلك (المحامل الضخمة) أي السفن الضخمة، دون وجود دراسات ومخططات وتدريبات و... من أكثر ما يلفت النظر ويستدعي الدهشة والاستغراب ويثير الأسئلة.

إن بناء سفن بتلك الضخامة، سواء كانت سفن غوص أو سفن تجارة بجميع أشكالها واختلاف أحجامها وهندستها، يحتاج لدراسة وتصميمات وقياسات دقيقة، أما أن يتم هذا الإنجاز والصانع لا يجيد حتى القراءة والكتابة فقد كان هذا من الإعجاز حقاً، لقد كانوا رجالاً عباقرة على طريقتهم، ولذلك لا بد لدبي أن تخلد ذكراهم وتحفظ ذاكرتهم وذكراهم، لأنهم جزء من إرثها وذاكرتها ومنجزها العظيم.