مع انسداد أفق الحل في لبنان وإعادة تشكيل الطبقة السياسية نفسها مجدداً، بالعقلية ذاتها، أصاب اليأس العديد من المشاركين في الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتغيير سياسي حقيقي ينتشل البلاد من أزمة اقتصادية ومعيشية تنهك الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

وأسفر هذا الأمر عن نتيجة عكسية، أي بقاء الطبقة السياسية، بأحزابها وطوائفها وميليشياتها، في مكانها، بينما غادر آلاف اللبنانيين بلدهم في عملية تتسارع نظراً لفقدان الأمل بحدوث أي تغيير حقيقي وتقلص فرص العمل.

على معرفات البحث في غوغل، بلغ معدل البحث عن كلمة «هجرة» في لبنان بين شهري نوفمبر وديسمبر حده الأقسى خلال خمس سنوات. ولم يعد محامون يعملون في ملفات الهجرة يمتلكون أوقات فراغ، إذ تنهال عليهم طلبات الراغبين بالذهاب إلى كندا أو أستراليا أو غيرها.

ويقول أحد المحامين، فضلاً عدم الكشف عن اسمه، لوكالة فرانس برس: إن «الطلب على الهجرة ارتفع بنسبة 75 في المئة»، مشيراً إلى أنه يعمل حالياً على 25 طلباً، غالبيتهم إلى كندا. وغالبية زبائن المحامي هم من الشبان المتعلمين وأصحاب الاختصاص، منهم من يعمل في الصيدلة أو في تكنولوجيا المعلومات أو الشؤون المالية. ويضيف المحامي: «جميعهم يغادرون بسبب الوضعين الاقتصادي والسياسي».

مع بدء الحراك الشعبي قبل أشهر، ظنّ شبان لبنانيون كثر كانوا يحلمون يوماً بالهجرة بإمكانية بناء مستقبلهم في بلدهم، لكن الحلم لم يدم طويلاً بعدما أطاح به تسارع الانهيار الاقتصادي.

وبعدما شاركوا في التظاهرات التي عمت كافة الأراضي اللبنانية منذ 17 أكتوبر رافعين الصوت ضد طبقة حاكمة يتهمونها بالفساد، يملأ طلاب وشبان اليوم طلبات الهجرة للعمل أو إكمال تعليمهم في الخارج. والأمهات اللواتي هتفنّ يوماً متهمات الطبقة السياسية بدفع أولادهن إلى الهجرة، بدأن بتحضير أنفسهنّ لوداعهم.

ويقول يوسف نصار، المصور السينمائي في الـ29 من العمر، لفرانس برس: «سأذهب من دون رجعة» بعدما حجز تذكرة سفره إلى كندا. ويضيف: «لا شيء يجري بشكل جيد في هذا البلد لكي أبقى فيه».

وتقدر مؤسسة «الدولة للمعلومات» للأبحاث والإحصاءات أن وصل عدد اللبنانيين الذين غادروا البلاد من دون عودة في العام 2019 إلى 61,924 مقارنة بـ41,766 في العام السابق أي زيادة بنسبة 42 في المئة.