تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الأمريكية واشنطن مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المقررة بين 23 و25 سبتمبر الجاري، ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في قمة هي الثانية بينهما هذا العام، في محطة تأتي وسط تنافس استراتيجي متصاعد بين أكبر اقتصادين في العالم.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية باعتبارها أول زيارة دولة لشي إلى الولايات المتحدة منذ عام 2015، فيما أعد البيت الأبيض برنامجاً، يتضمن مباحثات ثنائية وعشاء دولة ولقاءات رسمية، على أن يعقد الاجتماع الرئيسي بين شي وترامب في 24 سبتمبر.
وتتصدر التجارة جدول المباحثات مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة التجارية القائمة في نوفمبر المقبل، وسط مساعٍ لتمديدها أو تحويلها إلى تفاهم أكثر استقراراً، كما تشمل الملفات المطروحة الرسوم الجمركية.
وزيادة المشتريات الصينية من السلع الأمريكية، ولا سيما المنتجات الزراعية والطائرات، إلى جانب القيود الصينية على المعادن الأرضية النادرة، والقيود الأمريكية على التكنولوجيا والرقائق المتقدمة والاستثمار.
وتعقد اجتماعات تجارية تمهيدية بين مسؤولين أمريكيين وصينيين قبل القمة مباشرة، في محاولة لتهيئة أرضية تفاوضية للرئيسين.
ولا تقل الملفات الأمنية حساسية، خصوصاً تايوان وبحر الصين الجنوبي، إلى جانب العلاقات الصينية مع إيران وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط. وتبقى هذه الملفات مرتبطة بالتنافس الأوسع حول النفوذ العسكري والتكنولوجي.
وقواعد الأمن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتشير قراءات تحليلية إلى أن سقف التوقعات من القمة ينبغي أن يبقى واقعياً؛ فالتباينات البنيوية بين واشنطن وبكين لن تُحسم في لقاء واحد، لكن استمرار الحوار المباشر يمكن أن يحد من مخاطر سوء التقدير، ويفتح المجال أمام تفاهمات جزئية في التجارة والتكنولوجيا والأمن.
ويرى محللون أن نجاح القمة قد يقاس بقدرة الطرفين على تثبيت قواعد لإدارة الخلاف أكثر من الوصول إلى تسوية شاملة، خصوصاً أن المصالح الاقتصادية المتبادلة تدفعهما إلى تجنب التصعيد المفتوح، بينما تظل الملفات الاستراتيجية الأكثر حساسية عصية على التسويات السريعة.
وبذلك تبدو زيارة شي اختباراً لقدرة واشنطن وبكين على الانتقال من إدارة الأزمات المتقطعة إلى وضع ضوابط أكثر استقراراً للتنافس، من دون أن تعني بالضرورة تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة.
في هذا السياق، يرى خبير العلاقات الدولية د. حمدي أعمر حداد، جامعة محمد الخامس أكدال بالرباط، أن زيارة الرئيس الصيني إلى واشنطن تأتي في لحظة تتجاوز فيها العلاقات الأمريكية – الصينية الخلافات التجارية التقليدية، لتصبح أمام اختبار أوسع يتعلق بإدارة المنافسة الاستراتيجية بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم.
ويشير إلى أن التجارة ستحتل موقعاً متقدماً في القمة، خصوصاً تمديد الهدنة التجارية المقرر انتهاؤها في نوفمبر، وزيادة المشتريات الصينية من المنتجات الأمريكية، إلى جانب بحث القيود الجمركية وغير الجمركية.
في المقابل، تبرز المعادن النادرة وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي باعتبارها ملفات تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع اعتبارات الأمن القومي، إذ تسعى واشنطن إلى الحد من وصول الصين إلى التقنيات المتقدمة، بينما تمتلك بكين نفوذاً واسعاً في سلاسل توريد المعادن الاستراتيجية.
ويؤكد أن ملف تايوان سيظل من أكثر الملفات حساسية، إلى جانب الأمن الإقليمي والعلاقات الصينية مع إيران، مشيراً إلى أن هذه القضايا ترتبط بحسابات استراتيجية عميقة تجعل التوصل إلى تسويات شاملة بشأنها خلال قمة واحدة أمراً صعباً.
وبحسب حداد، فإن فرص التهدئة قائمة، لكن من الأدق النظر إلى القمة باعتبارها محاولة لإدارة المنافسة وليس الإنهاء، ويخلص إلى أن أهمية القمة لن تقاس فقط بالاتفاقات المعلنة خلالها.
وإنما بمدى استمرار التفاهمات بعد مغادرة شي واشنطن، وقدرة الطرفين على فصل الملفات الاقتصادية عن الخلافات الاستراتيجية، والحفاظ على قنوات اتصال مستقرة بشأن تايوان والأمن الإقليمي.
بدورها، ترى أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط، د. سمر الخمليشي، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن تحمل مؤشراً على رغبة متبادلة لدى الولايات المتحدة والصين في إدارة التوتر، ومنع المنافسة الاستراتيجية بينهما من التحول إلى مواجهة مفتوحة، لكنها لا تعني نهاية الصراع، بقدر ما تمثل محاولة لإعادة ضبط قواعده.
وتوضح أن الخلاف الأمريكي – الصيني تجاوز الملفات التجارية التقليدية، ليشمل التكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد، فضلاً عن الممرات والبنى التحتية التي تتحرك عبرها التجارة العالمية.
وترى أن ما يمكن وصفه بـ«جيوسياسة الممرات» أصبح أحد أوجه التنافس المتصاعدة بين القوتين، في ظل تنامي أهمية الموانئ والمضائق ونقاط العبور الاستراتيجية في حماية حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
وتشير الخمليشي إلى أن التحركات المرتبطة بالموانئ وقناة بنما تكشف تنامي البعد الجيوسياسي للممرات التجارية، فيما تسعى الصين، عبر مبادرة الحزام والطريق، إلى تنويع مساراتها البحرية والبرية والسككية وربطها بالموانئ والمراكز اللوجستية، بما يقلل من هشاشة سلاسل إمدادها أمام الأزمات الجيوسياسية.