لم يكن إعلان الرئيس الصيني شي جين بينغ وصول دبّي باندا عملاقين إلى حديقة حيوانات أتلانتا مجرد خبر يخص الحيوانات أو حدائق الحيوان، فبينغ بينغ وفو شوانغ يدخلان الولايات المتحدة محملين بتاريخ يمتد لأكثر من نصف قرن، أصبحت خلاله الباندا واحدة من أشهر أدوات الصين فيما يعرف بـ"القوة الناعمة" و"دبلوماسية الباندا".
وقال شي، خلال زيارته إلى واشنطن في 24 سبتمبر 2026، إن الباندا العملاقة كانت "سفيراً للصداقة" بين الشعبين الصيني والأمريكي، معلنا أن الدبّين سيصلان إلى منزلهما الجديد في أتلانتا خلال أيام، وبالفعل، غادرا الصين اليوم متجهين إلى الولايات المتحدة.
لكن وراء المشهد اللطيف قصة دبلوماسية معقدة، لماذا الباندا تحديدا؟ وكيف بدأت هذه الممارسة؟ وماذا يعني وصولها أو عودتها عندما تتغير العلاقات بين الدول؟
من هدية دبلوماسية إلى "دبلوماسية الباندا"
يعود الشكل الحديث لدبلوماسية الباندا إلى خمسينات القرن الماضي، عندما بدأت الصين تستخدم الباندا في علاقاتها الخارجية، وتشير تقارير حديثة إلى أن بكين أرسلت باندا إلى الاتحاد السوفييتي عام 1957، قبل أن تأتي اللحظة الأشهر في تاريخ هذه الممارسة مع الولايات المتحدة عام 1972.
ففي فبراير من ذلك العام، زار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الصين في رحلة تاريخية ساعدت على فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.
وخلال الزيارة، أبدت السيدة الأولى بات نيكسون إعجابها بالباندا التي شاهدتها في بكين، وفي إشارة إلى حسن النية، أعلن رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي تقديم دبّي باندا إلى الشعب الأمريكي.
وفي 16 أبريل 1972، وصل لينغ-لينغ وشينغ-شينغ إلى حديقة الحيوانات الوطنية التابعة لمؤسسة سميثسونيان في واشنطن، وسرعان ما تحولا إلى نجميْن جماهيريين، وأصبح وجودهما رمزا للتعاون الجديد بين واشنطن وبكين.
ومنذ تلك اللحظة، ترسخت صورة الباندا باعتبارها أحد أبرز رموز العلاقات الأمريكية-الصينية.
لماذا اختارت الصين الباندا؟
السر يبدأ من طبيعة الحيوان نفسه، فالباندا العملاقة حيوان موطنه الأصلي الصين، وتسيطر بكين على برامج إعارته إلى حدائق الحيوان في الخارج، ولذلك فإن إرسال الباندا إلى دولة أخرى يحمل قيمة رمزية لا تتمتع بها هدية عادية.
لكن الجغرافيا ليست السبب الوحيد، فالباندا حيوان يتمتع بجاذبية جماهيرية استثنائية، مظهره الودود وسلوكه الهادئ يجعلان من السهل تحويله إلى رمز إيجابي بعيد عن الخطاب السياسي المباشر.
وهنا تكمن قيمة الباندا بالنسبة إلى الدبلوماسية الصينية، السياسيون قد يختلفون، لكن الجمهور يستطيع أن يتفق على حب حيوان لطيف.
وتشير دراسة عن تاريخ البرنامج إلى أن الباندا أصبحت منذ وصولها إلى واشنطن عام 1972 رمزا للتعاون بين الشعبين، كما جذبت أعدادا هائلة من الزوار إلى حدائق الحيوانات الأمريكية.
لماذا توقفت الصين عن "إهداء" الباندا؟
في البداية، كانت الصين تقدم الباندا كهدايا فعلية، لكن السياسة تغيرت في ثمانينات القرن الماضي، عندما توقفت بكين عن منح الباندا كهدايا دائمة واتجهت إلى نظام الإعارة، في ظل تراجع أعداد الحيوانات وازدياد التركيز على الحفاظ على النوع.
وبموجب الاتفاقيات الحديثة، تظل الباندا ملكا لجهات صينية، بينما تستضيفها حدائق الحيوان الأجنبية لفترات محددة ضمن برامج للتعاون والبحث والحفاظ على الأنواع، كما تظل صغار الباندا التي تولد في الخارج ضمن الملكية الصينية، وتعود عادة إلى الصين في سن مبكرة.
وبذلك انتقلت دبلوماسية الباندا من نموذج "الهدية التي تبقى" إلى نموذج أكثر تعقيدا يجمع بين الدبلوماسية والبحث العلمي والحفاظ على الحياة البرية.
عندما تنتهي الصداقة.. تعود الباندا
هنا تظهر خصوصية الباندا مقارنة بمعظم الهدايا الدبلوماسية، فإذا كانت الهدية الدبلوماسية التقليدية قد تصبح ملكا للدولة التي تلقتها، فإن الباندا الحديثة تصل غالبا بموجب اتفاقية إعارة أو تعاون محددة المدة.
وعندما تنتهي الاتفاقية ولا يتم تجديدها، تعود الحيوانات إلى الصين.
وقد أصبحت عمليات العودة محط اهتمام خاص في السنوات الأخيرة، خصوصا مع توتر العلاقات الأمريكية-الصينية.
ففي نوفمبر 2023، أعادت حديقة الحيوانات الوطنية في واشنطن ثلاثة دببة باندا إلى الصين بعد انتهاء اتفاقية الإعارة، لتبقى حديقة أتلانتا في ذلك الوقت آخر حديقة أمريكية تضم الباندا، وفي أكتوبر 2024، عادت دببة أتلانتا الأربعة إلى الصين بعد انتهاء اتفاقية الحديقة التي استمرت 25 عاما.
لكن عودة الباندا لا تعني بالضرورة أن قرار الإعادة اتخذ كـ"عقوبة دبلوماسية". فهناك عامل أساسي يتعلق بانتهاء الاتفاقيات وترتيبات الحفاظ على الحيوانات.
وكانت بكين قد استعادت زوج باندا من اليابان في وقت سابق من هذا العام في أعقاب الخلاف الدبلوماسي الذي نشأ بين البلدين إثر تلميح رئيسة الوزراء اليابانية إلى إمكانية تدخل طوكيو عسكريا في حال تعرضت تايوان لهجوم صيني.
ويمكن أن يكتسب توقيت رحيل الباندا أهمية سياسية، خصوصا عندما يتزامن مع مرحلة توتر بين الدولتين.
الباندا ليست وحدها.. "دبلوماسية الهدايا"
استخدام الحيوانات والهدايا في العلاقات الدولية ليس اختراعا صينيا. فعلى مدى قرون، استخدمت الدول الهدايا للتعبير عن التحالفات والاحترام وحسن النية، وأحيانا لإظهار القوة أو بناء العلاقات الشخصية بين الحكام.
لكن الهدية الدبلوماسية لا تحمل قيمة مادية فقط، إذ يمكن أن تكون رسالة سياسية مغلفة في شيء ملموس.
ولهذا اختيرت عبر التاريخ حيوانات نادرة، وأعمال فنية، ومنحوتات، وأشجار، وأشياء مرتبطة بالثقافة والتاريخ الوطني.
وتختلف طبيعة الهدية عن "الإعارة الدبلوماسية"، فالأولى قد تنتقل ملكيتها إلى الدولة المستقبلة، بينما تظل الثانية ملكا للدولة المرسلة وتعود إليها وفقا لشروط الاتفاق.
وماذا يحدث عندما تتوتر العلاقات؟
هناك عدة سيناريوهات.
إذا كانت الهدية ملكية دائمة: لا يعني تدهور العلاقات تلقائيا أن الدولة المستقبلة مطالبة بإعادتها، وقد تبقى الهدية في مؤسسة رسمية أو متحف أو مجموعة حكومية، وفق القوانين والبروتوكولات المحلية.
إذا كانت الهدية مرتبطة بإعارة: تنتهي العلاقة التعاقدية وفق الشروط المحددة، وقد تعود القطعة أو الحيوان إلى الدولة المالكة.
أما إذا كانت الهدية ذات رمزية سياسية كبيرة: فقد تصبح قيمتها المعنوية جزءا من النقاش السياسي حتى لو لم تكن هناك آلية قانونية لإعادتها.
والباندا تقع في الفئة الثانية غالبا، فهي في النظام الحديث ليست هدية نهائية بالمعنى التقليدي، بل حيوانات تتم إعارتها ضمن اتفاقيات تعاون طويلة الأجل.
لماذا تبقى دبلوماسية الباندا فعالة؟
لا تستطيع الباندا حل الخلافات حول التجارة أو التكنولوجيا أو الأمن، لكنها تحقق شيئا مختلفا، فهي تخلق مساحة للتواصل الشعبي عندما تكون السياسة الرسمية أكثر تعقيدا.
وهذا ما يفسر استمرار الظاهرة لأكثر من خمسة عقود.
ففي عام 1972، ارتبط وصول لينغ-لينغ وشينغ-شينغ بانفتاح تاريخي بين واشنطن وبكين، وفي 2026، يأتي وصول بينغ بينغ وفو شوانغ في مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين.
وبين الحدثين، تغير العالم، وتغيرت الصين والولايات المتحدة، لكن الباندا احتفظت بقدرتها على جذب الجمهور.
واللافت أن أحد الدبين الجديدين يحمل اسم بينغ بينغ، وهو اسم يعني "السلام"، فيما يحمل اسم فو شوانغ معنى "البركات المزدوجة"، وقد اختير الدبّان بعد تقييم العمر والصحة والخصائص الوراثية والشخصية.
أكثر من حيوان.. وأقل من اتفاق سياسي
ربما لا تستطيع الباندا تغيير مسار العلاقات الدولية، لكنها تستطيع أن تمنحها وجها مختلفا، فحين يصل دبان إلى حديقة حيوانات، يتحول الحدث من قضية تتعلق بالحكومات إلى قصة يتابعها الأطفال والعائلات والزوار.
وهنا تكمن قوة "دبلوماسية الباندا"، إنها لا تحاول أن تجعل الناس يتفقون على السياسة، بل تمنحهم شيئا يمكنهم أن يتفقوا على حبه.
ومع وصول بينغ بينغ وفو شوانغ إلى أتلانتا، يستمر فصل جديد من هذه الدبلوماسية الفريدة، دبلوماسية بدأت كهدايا، وتحولت إلى قروض واتفاقيات للحفاظ على الأنواع، وبقيت في الوقت نفسه واحدة من أكثر صور القوة الناعمة الصينية شهرة في العالم.

