فتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاثنين، مواجهة علنية مع أصوات تتصاعد داخل قطاع الذكاء الاصطناعي وتطالب بإبطاء تطوير أكثر النماذج تقدماً، معتبراً أن مثل هذه الدعوات قد تصب في النهاية في مصلحة الصين.
ووصف ترامب ما يجري بأنه «مؤامرة خبيثة» ضد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وقال إن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل الأدوات القانونية والتنظيمية اللازمة للتعامل مع أي مخالفات ترتكبها الشركات.
واختصر رؤيته للسباق بالقول إن من يفوز بالذكاء الاصطناعي «يفوز بكل شيء»، موجهاً انتقادات مباشرة إلى الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي.
وقال ترامب في منشور عبر منصته تروث سوشال إن «الضبط الوحيد أو حواجز الأمان التي يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي، هو رئيس قوي وذكي يتمتع بمؤشر ذكاء مرتفع! والولايات المتحدة الأمريكية لديها العديد من هؤلاء!».
وأضاف ترامب: «هناك مؤامرة خبيثة تحاك ضد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، والصين هي الطرف الوحيد المستفيد من ذلك».
وتابع: «من يكسب سباق الذكاء الاصطناعي، يكسب كل شيء! نحن نتفوق على الصين وعلى الجميع في هذا المجال، وسنبقى كذلك»، متوجهاً بالقول إلى «أصحاب نظريات المؤامرة والعملاء والخونة والمسربين، احذروا».
هجوم ترامب لم يأت من فراغ. فقبل ذلك بيومين، وتحديداً في 12 سبتمبر، دعا أمودي شركات الذكاء الاصطناعي إلى تخفيف سرعة زيادة قدرات نماذجها الأكثر تقدماً، محذراً من أن وسائل الأمان قد لا تتمكن من ملاحقة القفزات التقنية بالسرعة نفسها.
ووفق «رويترز» في التاريخ ذاته، أيد سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك، الذي يقود «إكس إيه آي»، جوهر الدعوة.
أمودي لم يطالب بوقف تطوير الذكاء الاصطناعي. ففي الورقة التي نشرها في 12 سبتمبر، اقترح الاستمرار في تطوير النماذج.
لكن بوتيرة تمنح الشركات وقتاً أكبر لاختبارها وتأمينها قبل الانتقال إلى مستويات أعلى من القدرات. كما طرح الاستعانة بمقيّمين مستقلين، ثم تنسيق معايير السلامة بين الشركات، وصولاً في مرحلة لاحقة إلى تعاون بين الحكومات.
مصدر القلق يرتبط بتطور قدرة الأنظمة على تنفيذ مهام معقدة بمستوى متزايد من الاستقلالية. وقال أمودي في ورقته إن استمرار التحسن بالمعدل الحالي قد يجعل أنظمة أكثر تقدماً، خلال ستة إلى 12 شهراً، قادرة على تنفيذ هجمات إلكترونية واسعة إذا لم تتطور إجراءات الحماية بالوتيرة نفسها.
لكنه قدم ذلك باعتباره سيناريو خطر ينبغي الاستعداد له، وليس توقعاً مؤكداً.وهنا دخلت الصين بقوة إلى قلب النقاش.
فالرجل الذي يطالب بإبطاء نمو قدرات الذكاء الاصطناعي الأمريكي، يطالب في الوقت نفسه بالحفاظ على تفوق الولايات المتحدة على بكين. وفي ورقته في 12 سبتمبر، دعا أمودي إلى استمرار القيود على وصول الصين إلى الرقائق المتقدمة، وتشديد مكافحة تهريبها، وحماية النماذج الأمريكية من السرقة أو استنساخ قدراتها.
كما شدد على أن أي إبطاء أمريكي يجب ألا يتجاوز حجم التقدم الذي تحتفظ به الولايات المتحدة على الصين، حتى لا تتحول إجراءات السلامة نفسها إلى فرصة تسمح لبكين بتقليص الفارق.
هذا الطرح أثار رداً صينياً سريعاً. ففي أمس الاثنين، نقلت «رويترز» عن صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية المدعومة من الدولة وصفها مقترحات أمودي بأنها امتداد لمنطق «الحرب الباردة»،.
معتبرة أن الحديث عن السلامة يمكن أن يتحول إلى وسيلة للحفاظ على التفوق التكنولوجي الأمريكي وإبطاء تقدم الصين. وفي اليوم نفسه، دعت الخارجية الصينية إلى التعاون الدولي في إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي بدلاً من تحويله إلى ساحة مواجهة بين القوى الكبرى.
لكن بكين نفسها لا تتعامل مع مخاطر التكنولوجيا باعتبارها مجرد حجة أمريكية. فقد أظهر تحقيق نشرته «رويترز» أمس الاثنين أن أطر السلامة الصينية تناولت منذ عام 2024 سيناريوهات يمكن فيها لأنظمة متقدمة أن تسعى بصورة مستقلة إلى توسيع مواردها وقدراتها، بما يثير احتمال تراجع السيطرة البشرية عليها.
كما نقلت «فرانس برس»، عن وزير أمن الدولة الصيني تشن يي شين تحذيره من استخدام نماذج متقدمة في اختراق البنى التحتية وجمع البيانات والتأثير في الرأي العام.
أما إدارة ترامب، فلا ترفض بدورها إجراءات السلامة من حيث المبدأ. ففي أمر تنفيذي وقعه الرئيس الأمريكي في 2 يونيو 2026، أنشأ البيت الأبيض آلية لتقييم القدرات السيبرانية للنماذج المتقدمة.
ووضع إطاراً طوعياً يتيح للمطورين تقديم بعض النماذج للحكومة بغرض التقييم قبل إتاحتها على نطاق أوسع. لكن الأمر نص بوضوح على أن ذلك لا يؤسس لنظام ترخيص أو موافقة حكومية إلزامية مسبقة.
وعليه، لا يدور الخلاف بين طرف يريد الأمان وآخر يرفضه، بقدر ما يدور حول السرعة وحدود القيود.
قادة في القطاع يخشون أن تتطور القدرات أسرع من وسائل السيطرة عليها. وترامب يخشى أن تؤدي فرملة السباق الأمريكي إلى منح الصين فرصة للحاق به. أما بكين، فتعترض على القيود الأمريكية، بينما تبني هي الأخرى أطرها لمواجهة مخاطر التكنولوجيا.
وفي ورقته التي نشرت في 12 سبتمبر، ذهب أمودي إلى طرح أبعد، مقترحاً مستقبلاً تفاهمات دولية تضع «حدوداً للسرعة» على بعض أكثر مسارات الذكاء الاصطناعي خطورة، مستحضراً تجربة اتفاقات الحد من الأسلحة خلال الحرب الباردة، مع إقراره بأن التحقق من التزام الولايات المتحدة والصين بأي اتفاق سيكون العقبة الأصعب.
وهكذا لم يعد السؤال فقط: من سيبني الذكاء الاصطناعي الأقوى؟
بل كيف يمكن إبطاء أخطر جوانب السباق، إذا كان كل طرف يخشى أن يخفف السرعة بينما يواصل منافسه التقدم؟أكر


