تخوض الأوساط السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة موجة عارمة من الجدل والانتقادات الحادة عقب تصريحات أدلى بها الرئيس دونالد ترامب، وصف فيها الصراع العسكري القائم في الشرق الأوسط ضد إيران بأنه «أمر تافه»، مدافعاً في الوقت ذاته عن وجهة نظر نائبه جيه دي فانس التي تنفي وصف تلك المواجهات بالحرب، رغم تسجيل خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية بلغت نحو 18 جندياً.
وأثارت هذه التصريحات، التي سلطت الضوء عليها تقارير صادرة عن مجلة «فورتشن» ووكالة «أسوشيتد برس»، غضباً واسعاً في المجتمع العسكري، بعدما تجسدت تداعيات هذا التوصيف الرسمي بشكل مباشر ومؤلم في معاناة أرملة الطيار الأمريكي الرائد أليكس كلينر، الذي قُتل خلال مهمة قتالية بالمنطقة في يناير الماضي، حيث تم حرمانها من بدل المخاطر والإعفاءات الضريبية المتعلقة بالقتال والمستحقات المخصصة لعائلات قتلى الحروب، تحت ذريعة الإدارة بأن «العمليات القائمة لا تصنف قانونياً كحرب».
ولم تتمكن الأرملة، ماري ريمس، من استعادة حقوق زوجها والتوصل إلى حل مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بشأن الراتب الأساسي والمستحقات الماليّة إلا عقب نشرها منشوراً انتشر كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي، مفسرة حجم المعاناة البيروقراطية والإجحاف الذي تعرضت له أسرتها على مدى أشهر أعقبت وفاة زوجها. وسرعان ما تفاعلت وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى مع هذه القضية؛ حيث شنت صحف وشبكات تلفزيونية هجوماً كاسحاً على طريقة تعاطي البيت الأبيض ووزارة الدفاع مع عائلات العسكريين، مشيرة إلى وجود تناقض صارخ ومستفز بين الخسائر البشرية والتضحيات التي يقدمها الجنود في ساحات المعارك، وبين المعايير البيروقراطية والتصريحات السياسية التي تقلل من حجم هذه المواجهات لتجنب التبعات المالية والسياسية المترتبة على إعلان حالة الحرب رسمياً.
وانتقدت التحليلات الإعلامية بواشنطن تصريحات ترامب ووزير الدفاع (الحرب)، واصفة إياها بالصادمة والمفتقرة إلى التعاطف مع أسر الضحايا، مؤكدة أن تقليل الإدارة الأمريكية من حجم الصراع مع إيران ووصفها بـ«الأمر التافه» لا يقلل فقط من حجم الخطر الذي يواجهه الجنود في الميدان، بل ينعكس بشكل مباشر على حقوقهم المالية والتأمينية وحماية أسرهم بعد وفاتهم.
وأبرزت التقارير الإعلامية أن الضغط الجماهيري والإعلامي الناجم عن انتشار قصّة الطيار أليكس كلينر أجبر البنتاغون على التحرك لمعالجة الأزمة، لكنه فتح في الوقت ذاته ملفاً شائكاً يتصل بكيفية تصنيف واشنطن للعمليات العسكرية الحديثة بالخارج والتكلفة الإنسانية والمالية التي تدفعها عائلات أفراد القوات المسلحة جراء هذا الغموض السياسي.
تصاعدت ردود الأفعال داخل أروقة الكابيتول هيل بشكل حاد عقب الكشف عن أزمة مستحقات عائلة الطيار أليكس كلينر وتصريحات الرئيس ترامب، حيث انقسم الشارع السياسي الأمريكي بين هجوم ديمقراطي كاسح ومحاولات استدراك وتوضيح من بعض الأعضاء الجمهوريين. حيث طالب أعضاء في لجنتي القوات المسلحة بمجلسي النواب والشيوخ بفتح تحقيق رسمي مع وزارة الدفاع (البنتاغون) حول الآلية المتبعة لتصنيف القتلى والمستحقات المالية للعمليات الجارية في الشرق الأوسط.
فيما اعتبر زعماء الديمقراطيين أن حرمان الأرملة ماري ريمس من البدلات والإعفاءات الضريبية يُعد «تخلياً أخلاقياً» عن أسر الشهداء، مشيرين إلى أن اضطرار الأسر للجوء لمنصات التواصل الاجتماعي لتحصيل حقوقها يمثل فشلاً قيادياً وبيروقراطياً.
بدورهم هاجم نواب ديمقراطيون تصريحات ترامب، مؤكدين أن أي صراع يفقد فيه الجيش الأمريكي أرواح جنوده - مثل الـ18 جندياً الذين قُتلوا في هذه المواجهات - لا يمكن وصفه بـ«الأمر التافه» أو تقليل شأنه لاعتبارات سياسية.
الضغط لتصحيح الخطأ الإداري: تحرك نواب جمهوريون يمثلون الولايات التي تنتمي إليها عائلة الطيار للتواصل المباشر مع قيادات البنتاغون، مشددين على ضرورة الصرف الفوري لكامل المستحقات المالية وعلاج الخلل الإداري دون التأثير على معنويات الجيش.
وأشار بعض حلفاء الإدارة في الكونغرس إلى أن التصريحات حول طبيعة الصراع تهدف لتجنب توريط البلاد في «حرب شاملة جديدة» دون إذن صريح من الكونغرس، لكنهم أقروا في الوقت نفسه بعدم جواز تحميل أسر العسكريين ثمن هذا التكييف القانوني أو حرمانهم من حقوقهم القتالية.
فيما دفعت الأزمة عدداً من المشرعين من كلا الحزبين للبدء بصياغة مقترحات تعديل قانوني تضمن شمول جميع الجنود المقتولين في مهام قتالية خارجية بغض النظر عن التسمية الرسمية للنزاع أو إعلان الحرب من عدمه بكامل الإعفاءات الضريبية وبدلات المخاطر المخصصة لحالات الحرب.
