6 أسباب رئيسية وراء وصول كلفة بعض العلاجات إلى ملايين الدراهم
سموه يتكفل بعلاج عدد من الأطفال على مدار السنوات الماضية
فتتحول المبادرات النبيلة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى شريان حياة يُعيد صياغة المستقبل، ويحيل الخوف الماثِل في عيون الأسر إلى طمأنينة يزهر بها الغد.
ومحصلة تقنيات حيوية فائقة الدقة تعتمد على نواقل فيروسية متخصصة لإيصال الجين السليم إلى أعمق الخلايا العصبية.
ولأن هذا المرض من الأمراض النادرة التي لا تتوزع تكاليف إنتاجها الباهظة على ملايين البشر، ولأن العلاج صُمم ليُعطى غالباً لمرة واحدة في العمر ليغير مساره بالكامل، تقف هذه التكلفة عائقاً مادياً كبيراً لا يمحوه إلا فيض الإنسانية وسرعة التدخل في الوقت المناسب.
ومن هنا، تتجلى إنسانية دبي في أبهى صورها؛ مدينة لا تنظر إلى الألم بوصفه رقماً في ملف طبي، ولا إلى الطفل المريض باعتباره حالة عابرة، بل ترى فيه روحاً صغيرة تستحق الحياة، ومستقبلاً لا ينبغي أن تهزمه الكلفة أو تضيع فرصته بسبب ضيق ذات اليد.
وهي إنسانية رسختها دولة الإمارات على مدار سنوات، وجعلت من العطاء نهجاً مؤسسياً وقيمة متجذرة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأطفال يواجهون أمراضاً نادرة وعلاجات تتجاوز كلفتها قدرة الأسر مهما بذلت.
حياة جديدة
وعلى مدار السنوات الماضية، تكفّل سموه بعلاج عدد من الأطفال المصابين بالمرض، من بينهم الطفلة العراقية لافين إبراهيم جبار عام 2021، بتكلفة بلغت نحو 8 ملايين درهم، والطفلة السورية يقين إبراهيم كناكر عام 2025، التي تجاوزت كلفة علاجها 7 ملايين درهم.
وفي عام 2026، امتدت مبادرات سموه الإنسانية لتشمل الطفلة الأردنية كاتيا أبوالسعود، التي تعاني ضمور العضلات الشوكي، والطفل العراقي عبدالرحمن مهند العجيلي، الذي تكفّل سموه بعلاجه من المرض ذاته.
إنها تمنح الأسرة قدرة على الانتقال من القلق إلى الطمأنينة، ومن البحث المستمر عن حل إلى الوقوف على عتبة العلاج، في مرحلة قد تحدد شكل الحياة كلها لاحقاً.
ومن هنا جسدت حالة الطفلة الأردنية كاتيا أبوالسعود، البالغة من العمر عاماً وأربعة أشهر والمصابة بضمور العضلات الشوكي.
والتي تعتبر آخر الحالات التي تكفّل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بعلاجها في مستشفى الجليلة للأطفال التابع لـ«دبي الصحية»، هذا الوجه الإنساني النبيل.
إذ لم يكن هذا التكفل مجرد مبادرة علاجية، بل كان امتداداً لنهج إنساني يرى في إنقاذ طفل مسؤولية أخلاقية ووطنية، وفي تخفيف ألم أسرة رسالة تتجاوز حدود الجغرافيا والجنسيات.
فقد بدأت كاتيا رحلتها الطبية في دبي بالخضوع للفحوص والتقييمات اللازمة، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة العلاجية التالية، وسط آمال كبيرة بأن تسهم هذه الخطوة في منحها فرصة أفضل للنمو والحركة والحياة.
وتكتسب هذه الرحلة أهميتها من حساسية الوقت في مرض ضمور العضلات الشوكي، إذ يؤكد أطباء متخصصون أن هذا المرض لا يحتمل التأخير.
فكل يوم يمر قبل التدخل العلاجي قد يعني فقدان مزيد من الخلايا العصبية الحركية، وهي خلايا لا يمكن استعادتها بعد تلفها بصورة دائمة.
ولذلك، فإن الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب لا يمثل ترفاً طبياً، بل ضرورة قد ترسم الفارق بين طفل يحظى بفرصة الجلوس أو الوقوف أو المشي، وآخر يثقل المرض خطواته قبل أن تبدأ.
خبرة علمية وإنسانية
وكان المستشفى قد أعلن في يوليو 2025 تقديم العلاج لأكثر من 100 حالة مصابة بضمور العضلات الشوكي، بعدما استقبل أول حالة عام 2020 لطفلة لم يتجاوز عمرها خمسة أشهر، في مؤشر على خبرة متراكمة في التعامل مع واحد من أكثر الأمراض العصبية العضلية النادرة حساسية لعامل الزمن.
ولا تنبع كلفة العلاج الجيني المرتفعة من عامل واحد، بل من منظومة علمية وصناعية معقدة تبدأ قبل سنوات طويلة من وصول الجرعة إلى الطفل.
فقد حدد أطباء مختصون ستة أسباب رئيسية وراء وصول كلفة بعض علاجات ضمور العضلات الشوكي إلى ملايين الدراهم؛ أولها سنوات ممتدة من البحث والتطوير والتجارب المخبرية والسريرية التي تسبق اعتماد العلاج كما تشمل التعقيد الاستثنائي في التصنيع مقارنة بالأدوية التقليدية، والحاجة إلى نواقل فيروسية متخصصة لإيصال المادة الجينية إلى الخلايا المستهدفة.
وتضاف إلى ذلك الحاجة إلى منشآت بيولوجية عالية التخصص، وإجراءات دقيقة واختبارات صارمة للجودة والنقاء والسلامة، فضلاً عن ندرة المرض وقلة عدد المرضى الذين يمكن توزيع كلفة البحث والتطوير والتصنيع عليهم.
ويبرز عامل آخر يتمثل في أن بعض هذه العلاجات صمم ليُعطى لمرة واحدة فقط، بما ينعكس على طريقة تقييم قيمته وتسعيره، إذ لا يتعلق الأمر بعلاج يومي أو شهري يتكرر لسنوات، بل بتدخل علاجي متقدم قد يغير مسار مرض كامل بجرعة واحدة.
موضحة أن المرض يرتبط غالباً بتغيرات في جين «إس إم إن 1»، تؤدي إلى نقص إنتاج بروتين «إس إم إن» الضروري لبقاء هذه الخلايا العصبية واستمرار وظائفها.
وأضافت أن من أهم أعراض المرض الضعف العضلي التدريجي، وقد يلحظ الأهل لدى الرضع رخاوة غير معتادة في الجسم، وضعفاً في التحكم بالرأس، وقلة في حركة الذراعين والساقين، إلى جانب صعوبة في المص أو البلع.
وضعف البكاء، أو تأخراً في بلوغ مراحل النمو الحركي مثل التدحرج والجلوس والزحف. كما قد يعاني بعض الرضع ارتعاشات في اللسان أو التهابات متكررة في الجهاز التنفسي.
وأكدت أن ضمور العضلات الشوكي لا يمثل مجرد ضعف في العضلات، بل هو مرض تفقد فيه الخلايا العصبية الحركية تدريجياً قدرتها على البقاء، ولا يمكن استبدال هذه الخلايا بعد فقدانها، وهو ما يجعل التشخيص المبكر بالغ الأهمية.
وأفادت بأن علاج ضمور العضلات الشوكي شهد تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت هناك خيارات قادرة على تعديل مسار المرض، تشمل علاجات تعطى في السائل المحيط بالحبل الشوكي، وأدوية تؤخذ يومياً عن طريق الفم، إضافة إلى العلاج الجيني الذي يستهدف تعويض الخلل الجيني المسؤول عن المرض.
وأكدت أن أهمية العلاج تزداد كلما بدأ في مرحلة مبكرة، لأن الحفاظ على الخلايا العصبية الحركية قبل فقدانها يمنح الطفل فرصة أفضل لتحقيق مراحل النمو الحركي.
ولفتت إلى أن الأطفال الذين يتم تشخيصهم وعلاجهم قبل ظهور الأعراض يمكن أن يحققوا نتائج أفضل بكثير، وقد يتمكن بعضهم من الجلوس أو المشي.
وشددت على أن العلاج الدوائي أو الجيني لا يغني عن الرعاية طويلة الأمد التي تشمل العلاج الطبيعي، ومراقبة التنفس، ودعم التغذية والبلع، والتأهيل، والرعاية العظمية، والمتابعة النمائية المستمرة.
وأضافت أن «المفتاح هو الوقت»، فكلما جرى تشخيص الطفل وعلاجه قبل حدوث ضعف كبير، تحسنت فرص الحفاظ على نموه الحركي وجودة حياته.
وأوضح أن الأمراض التي تنتقل بالنمط الوراثي المتنحي تتأثر بعوامل وراثية وديموغرافية، من بينها زواج الأقارب، الذي قد يزيد احتمال أن يكون الأب والأم حاملين للتغير الجيني نفسه. وأشار إلى أهمية الاستشارة الوراثية وفحوص حاملي التغيرات الجينية للأسر عند الحاجة.
لافتاً إلى أن زيادة عدد الحالات التي يجرى اكتشافها لا تعني بالضرورة أن المرض أصبح أكثر انتشاراً، فقد يكون تحسن الوعي وتوسع استخدام الفحوص الجينية وراء تشخيص حالات لم تكن تكتشف في السابق.
وأكد أن ارتفاع السعر يمثل تحدياً حقيقياً للأسر والأنظمة الصحية، إلا أن تقييم كلفة العلاج لا يتوقف عند ثمن الجرعة وحدها، بل يشمل ما يمكن أن تحققه على المدى الطويل من الحفاظ على قدرات المريض، وتقليل المضاعفات، وخفض الحاجة إلى دخول المستشفى، والدعم التنفسي، والتغذوي، والرعاية المكثفة التي قد تستمر سنوات.
تداعيات المرض
وأوضح أن ضعف عضلات الجهاز التنفسي يمثل أحد أهم التحديات في الحالات الأكثر شدة، إذ قد يصبح الطفل غير قادر على السعال بقوة كافية لطرد الإفرازات، أو يحتاج إلى دعم لمساعدته على التنفس، خصوصاً أثناء النوم أو عند الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي.
وأضاف أن صعوبات البلع قد تزيد خطر دخول الطعام أو السوائل إلى مجرى التنفس، إلى جانب احتمال عدم حصول الطفل على احتياجاته الغذائية بصورة كافية، ما قد يستدعي دعماً متخصصاً في التغذية.
وأشار إلى أن المرض يفرض كذلك عبئاً يومياً على الأسرة، إذ قد يتطلب زيارات متكررة إلى المستشفى، وجلسات علاج طبيعي وتأهيل، ومتابعة لوظائف التنفس، واستخدام أجهزة ومعدات مساعدة.
إلا أن القاسم المشترك هو أن فقدان الخلايا العصبية الحركية لا يمكن عكسه بعد حدوثه. وأكدت أن التشخيص المبكر يمثل عاملاً فاصلاً، لأنه يتيح تقديم علاجات قادرة على تغيير مسار المرض قبل وقوع أضرار دائمة.

