في اكتشاف يحل لغزاً بيولوجياً استعصى على العلماء لأكثر من ثلاثة عقود، كشف باحثون أن أحد الجزيئات المنظمة للالتهاب يؤدي وظيفتين متكاملتين، إذ لا يقتصر دوره على استدعاء الخلايا المناعية لمهاجمة مسببات العدوى، بل يسهم أيضاً في حماية الأنسجة السليمة من الأضرار التي قد تنجم عن الاستجابة المناعية نفسها.
وتوصل فريق من مركز «ميموريال سلون كيترينغ» للسرطان في الولايات المتحدة إلى هذه النتائج، المنشورة في مجلة «نيتشر» في 7 أكتوبر 2026، في دراسة قد تساعد على فهم آليات الالتهاب بصورة أعمق، وتمهّد لأبحاث جديدة تتعلق بسرطان وأمراض الأمعاء الالتهابية والربو.
خلايا الدم البيضاء
يركز الاكتشاف على جزيء يُعرف باسم 5-oxoETE، وهو يعمل على استدعاء خلايا الدم البيضاء إلى مواقع العدوى، حيث تطلق هذه الخلايا مواد كيميائية قوية للقضاء على البكتيريا والكائنات الضارة.
استجابة دفاعية
لكن هذه الاستجابة الدفاعية قد تتحول إلى مصدر للخطر إذا خرجت عن السيطرة، إذ يمكن للمواد التي تهاجم مسببات المرض أن تلحق الضرر بالخلايا السليمة المحيطة بها.
وقال فيليب نيتهامر، عالم الأحياء الخلوية في المركز والباحث المشارك في الدراسة، إن الجهاز المناعي يستخدم هذه المواد لمهاجمة مسببات العدوى، لكن الجسم يحتاج في الوقت نفسه إلى آليات تحمي أنسجته من آثار الهجوم الكيميائي.
وجاءت المفاجأة عندما عطّل الباحثون لدى أسماك الزرد جين hcar1-4، وهو النظير لدى هذه الأسماك للجين البشري OXER1 المسؤول عن تمكين الخلايا من استشعار إشارة الجزيء.
فبدلاً من انخفاض الالتهاب كما توقعوا، ظهرت لدى الأسماك التهابات معوية رغم عدم وجود عدوى.
وأثار هذا التناقض حيرة الفريق، فمن المفترض أن يؤدي تعطيل المستقبل الذي يلتقط إشارة الالتهاب إلى إضعاف الاستجابة، لا إلى تفاقمها.
لكن التجارب اللاحقة كشفت أن الإشارة تؤدي دوراً وقائياً لم يكن معروفاً من قبل.
حماية خلوية
أظهرت التجارب أن جزيء 5-oxoETE ينشّط عملية حماية خلوية تتضمن إنزيمات تُعرف باسم NUDIX hydrolases، وتعمل على إزالة وحدات بناء الحمض النووي المتضررة.
وعندما تغيب هذه الحماية، تصبح خلايا الأمعاء أكثر عرضة للإجهاد الكيميائي الناتج عن البكتيريا الطبيعية التي تعيش داخل الأمعاء، ما قد يؤدي إلى موت الخلايا وحدوث الالتهاب.
وأوضح نيتهامر أن الإشارة الجزيئية لا تعمل بمثابة إنذار يستدعي الخلايا المناعية فحسب، بل تشبه أيضاً درعاً يحمي الأنسجة السليمة بالتزامن مع مهاجمة مسببات المرض.
ويشير هذا الاكتشاف إلى أن الجسم يمتلك آليات دقيقة لتنسيق الدفاع المناعي والحد من الأضرار الجانبية التي قد ترافقه، وهو ما قد يساعد العلماء على فهم أسباب بعض حالات الالتهاب التي تظهر حتى في غياب العدوى.
مسار بيولوجي
وفي مسار بحثي موازٍ، تمكنت الباحثة يانان ما من تحديد الجين DHRS7، المسؤول عن إنتاج الإنزيم الذي يولّد جزيء 5-oxoETE.
وكان العلماء قد رصدوا نشاط هذا الإنزيم منذ عام 1992، لكنهم لم يتمكنوا طوال تلك السنوات من تحديد الجين المسؤول عنه، ما يجعل الكشف الجديد حلاً لجزء أساسي من اللغز الذي أحاط بهذا المسار البيولوجي.
وكانت أسماك الزرد ضرورية للوصول إلى النتائج، لأن الفئران لا تمتلك مستقبلاً مناعياً معروفاً مماثلاً للمستقبل الذي يستشعر جزيء 5-oxoETE.
وأتاح استخدام الأسماك للباحثين دراسة المسار بصورة لم تكن متاحة عبر النماذج الحيوانية التقليدية.
وأوضحت ما أن اختيار النموذج الحيواني المناسب كان عاملاً حاسماً في تقدم البحث، مؤكدة أن بعض الآليات البيولوجية قد تتطلب نماذج بديلة لفهم كيفية استجابة جسم الإنسان للضغوط المختلفة.
تكتسب النتائج أهمية إضافية في ظل رصد طفرات تؤثر في جيني DHRS7 وOXER1 في بعض أنواع السرطان، إلى جانب ارتباط اضطراب الإشارات المرتبطة بجزيء 5-oxoETE بأمراض الأمعاء الالتهابية والربو.
ويرى الباحثون أن تنشيط هذا المسار قد يساعد مستقبلاً على تعزيز قدرة الأمعاء على مقاومة الإجهاد التأكسدي، وهو نوع من الضرر الخلوي يحدث عندما يختل التوازن بين الجزيئات المؤكسدة وآليات الحماية في الجسم.
وقد يكون لهذا الاتجاه البحثي أهمية خاصة في دراسة الأضرار التي تصيب الأنسجة خلال العلاج الإشعاعي أو الكيميائي للسرطان.
إلا أن الباحثين يشددون على أن هذه الإمكانات لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل تحديد مدى فائدتها العلاجية لدى البشر.
إجهاد تأكسدي
لم تتوقف الدراسة عند الالتهاب والإجهاد التأكسدي، بل ربط الباحثون المسار أيضاً بالإصابات والضغوط الميكانيكية التي يتعرض لها الجسم.
فالإجهاد الميكانيكي قد يؤدي إلى إطلاق حمض الأراكيدونيك، وهو مادة أولية تدخل في إنتاج جزيء 5-oxoETE. وبعد ذلك، يسهم الإجهاد التأكسدي في تحويل هذه المادة، بينما يعمل الجين DHRS7 على تعزيز الإشارة الناتجة.
وبحسب الباحثين، يمكن النظر إلى هذه العملية باعتبارها سلسلة مترابطة تبدأ بالضغط الجسدي، ثم تمر بالتغيرات الأيضية، وتنتهي باستجابة وقائية منسقة.
ويعزز هذا الفهم الجديد فكرة أن الجسم لا يتعامل مع أنواع الإجهاد المختلفة بصورة منفصلة تماماً، بل يربط بينها عبر مسارات جزيئية تساعده على الاستجابة وحماية الأنسجة.
ورغم أن تحويل هذه النتائج إلى علاجات عملية لا يزال يتطلب مزيداً من البحث، فإن حل هذا اللغز الممتد لأكثر من 30 عاماً يقدم للعلماء نقطة انطلاق جديدة لفهم الالتهاب، وكيفية الحفاظ على التوازن بين قوة الجهاز المناعي وقدرته على حماية الجسم من الأضرار التي قد يسببها دفاعه عن نفسه.

