في اكتشاف علمي يفتح أبواباً جديدة أمام الطب والتكنولوجيا الحيوية، كشف علماء عن عالم مجهري هائل يختبئ داخل الشعاب المرجانية، يضم آلاف الكائنات الدقيقة غير المعروفة القادرة على إنتاج مركبات كيميائية قد تتحول مستقبلاً إلى أدوية وعلاجات واعدة.
الدراسة، التي أجرتها جامعة غالواي ونشرتها مجلة Nature، حذّرت من أن تدمير الشعاب المرجانية بسبب التغير المناخي والتلوث قد يعني خسارة كنوز علمية لم يكتشفها البشر بعد.
وأوضح الباحثون أن الشعاب المرجانية ليست مجرد موطن للأسماك والكائنات البحرية، بل تحتضن نظاماً حيوياً معقداً من البكتيريا والفطريات والفيروسات والطحالب والكائنات المجهرية الأخرى التي تعيش داخل أنسجة المرجان وعلى سطحه.
وبيّنت الدراسة أن لكل نوع من المرجان «ميكروبيوم» خاصاً به، يشكل خط الدفاع الأساسي للحفاظ على صحة الشعاب واستمرار وظائفها البيئية.
وفي واحدة من أوسع الدراسات التي تناولت الميكروبيومات المرجانية، قام العلماء بتحليل عينات مأخوذة من 99 شعاباً مرجانياً موزعة على 32 جزيرة في المحيط الهادئ.
وتمكن الفريق البحثي من إعادة بناء الجينومات الخاصة بـ645 نوعاً من الميكروبات، لتكشف النتائج مفاجأة مذهلة: أكثر من 99% من هذه الكائنات لم يسبق توصيفها جينياً من قبل.
واعتبر العلماء أن هذه النسبة تعكس حجم «العالم المجهول» المختبئ داخل الشعاب المرجانية، والذي ما يزال بعيداً عن أعين الأبحاث العلمية.
تنوع ضخم
وأكدت الدراسة أن البكتيريا المرتبطة بالشعاب المرجانية تمتلك تنوعاً ضخماً في الجينات المسؤولة عن إنتاج المركبات الطبيعية، بمستويات تفوق ما تم تسجيله في معظم البيئات البحرية الأخرى.
وقالت الدكتورة ماغي ريدي إن المعلومات الجينية المتوفرة حالياً لا تغطي سوى جزء ضئيل من هذا العالم المجهري، موضحة أن أقل من 10% فقط من أكثر من 4 آلاف نوع ميكروبي جرى تحديده يمتلك بيانات جينية معروفة، بينما لم يخضع للدراسة سوى أقل من 1% من الكائنات المكتشفة ضمن مشروع «تارا باسيفيك».
وأضافت أن هذه النتائج تكشف عن فجوات علمية ضخمة، وتؤكد الحاجة الملحّة إلى تكثيف الأبحاث في البيئات البحرية غير المستكشفة.
وأشار البروفيسور أوليفييه توماس إلى أن الإمكانات الكيميائية الموجودة داخل الميكروبيومات المرجانية قد تتفوق على المصادر الطبيعية التقليدية المستخدمة حالياً في اكتشاف الأدوية، مثل الإسفنج البحري.
وكشف الفريق عن رصد أنواع جديدة من الكائنات الدقيقة، من بينها ميكروبات تنتمي إلى مجموعة «أسيدوباكتيريوتا»، قادرة على إنتاج إنزيمات ومركبات تحمل تطبيقات واعدة في التكنولوجيا الحيوية والصناعات الطبية.
مكتبة جزيئية
وحذر الباحثون من أن تدهور الشعاب المرجانية لا يعني فقط تهديد التنوع البحري والثروة السمكية، بل قد يؤدي أيضاً إلى ضياع ما وصفوه بـ«المكتبة الجزيئية» الهائلة التي قد تحتوي على حلول مستقبلية لأمراض وتحديات صناعية معقدة.
واعتمدت الدراسة على عينات جُمعت خلال بعثة «تارا باسيفيك» الاستكشافية بين عامي 2016 و2018، والتي شملت مناطق تحتوي على نحو 40% من الشعاب المرجانية في العالم.
ويستعد العلماء حالياً لإطلاق رحلة بحثية جديدة إلى بابوا غينيا الجديدة خلال يونيو المقبل، في محاولة لفهم السر وراء قدرة بعض أنواع المرجان على التكيف بشكل أفضل مع التغيرات المناخية المتسارعة.


