حين يتحدث الفنان الإماراتي أحمد الجسمي عن المسرح، لا يبدو كمن يستعيد محطة من ماضيه الفني، بل كمن يتحدث عن جذره الأول. فخشبة المسرح، في تجربته، ليست مساحة للعرض فحسب، وإنما مختبر تتشكل فيه الموهبة، وتختبر الأدوات، ويتعلم الفنان كيف يصغي إلى الجمهور ويصنع حضوره.
ومن هنا تأتي قناعته بأن المسرح يظل المدرسة التي يتعلم فيها المبدع أسرار المهنة من خلال التجربة والممارسة والاحتكاك المباشر بالجمهور.
ويضع الجسمي مسؤولية كبيرة على عاتق المسرح والفرق المسرحية في صناعة جيل جديد من الفنانين، داعياً الشباب إلى الاقتراب من الخشبة والمهرجانات والمنصات الفنية؛ لأن الموهبة، في رأيه، لا تنمو بمعزل عن الممارسة والاحتكاك والتجربة.
كما يؤكد أن المسرح مطالب بالحفاظ على قيمته الفنية، وفي الوقت نفسه بالبقاء قريباً من الجمهور، عبر معادلة تجمع قوة المضمون بجمالية الشكل.
ويؤكد الفنان أحمد الجسمي، في حديثه لـ«البيان»، أن المسرح يمثل جذراً أصيلاً في مسيرته الفنية، وأن الشغف بخشبته ظل المحرك الأساسي لتجربته، موضحاً أن العودة إلى المسرح هي عودة إلى الجذور التي لا يمكن الاستغناء عنها، مهما بلغت مشاغل الدراما التلفزيونية، مشدداً على أن المسرح يظل بالنسبة إليه «الرئة التي يتنفس من خلالها الفنان».
ويشير الجسمي إلى أن الابتكار في العمل المسرحي يبدأ من تقديم محتوى متجدد، موضحاً أن نجاح التجربة يرتبط بالشراكة الحقيقية بين عناصرها الإبداعية. ويلفت إلى أهمية التكامل بين النص والرؤية الإخراجية، معتبراً أن اجتماع قلم الأديب ورؤية المخرج يمثل نموذجاً لهذه الشراكة، التي تفتح أمام الفنان مساحة للمشاركة في عمل يقوم على الجودة والابتكار.
ويوضح أن العمل للمهرجانات المسرحية المحلية والعربية يتطلب استعداداً خاصاً يقوم على الجمع بين قوة المضمون وجمالية الشكل، مؤكداً أن المسؤولية الملقاة على عاتق القائمين على الفرق المسرحية تفرض السعي الدائم نحو الأفضل، وتقديم أعمال تحافظ على حضورها الفني وتواكب تطور المشهد المسرحي.
رسالة للجميع
ويشدد الجسمي على أن المسرح ليس مجرد أداء، وإنما رسالة تحتاج إلى قدر من التوازن حتى يصل الفن الهادف إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور، من دون التفريط في القيمة الفنية الرفيعة. ويرى أن الوصول إلى الجمهور لا يعني التخلي عن عمق الخطاب المسرحي، وإنما البحث عن صيغة تجمع جودة المضمون والقدرة على التواصل.
ويؤكد أن للمسرح دوراً جوهرياً في صقل المواهب الشابة، داعياً الجيل الجديد إلى استثمار الزخم الثقافي الذي تشهده الدولة للارتقاء بأدواته الفنية. ويعرب عن طموحه إلى انتشار أوسع للفرق المسرحية في مختلف أنحاء الدولة، باعتبارها بيئات مهمة لاكتشاف المواهب وتطويرها.
ويشير إلى أن الانضمام إلى الفرق المسرحية يمثل الخطوة الأولى والأساسية لكل من يمتلك موهبة صادقة، مؤكداً أن التعلم الميداني والاحتكاك المباشر بخشبة المسرح هما السبيل لبناء فنان حقيقي.
مدارس مفتوحة
ويدعو الجسمي الشباب إلى الحضور الفاعل في المهرجانات والمنصات المسرحية الكبرى التي تحتضنها الدولة، ومنها مهرجان دبي لمسرح الشباب، وأيام الشارقة المسرحية، ومهرجان المسرح الصحراوي، ومهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، مؤكداً أن الاهتمام والشغف هما المحركان الأساسيان لتطوير الذات.
ويقول إن من يمتلك الرغبة الصادقة في دخول عالم الفن عليه أن يبدأ تجربته من حيث ينبغي أن تبدأ، أي فوق خشبة المسرح؛ لأنها «المعمل الحقيقي والمدرسة الأولى لكل مبدع».
وبهذه الرؤية، يضع الجسمي المسرح في موقع يتجاوز حدود العرض الفني؛ فهو فضاء للتعلم، وميدان لاختبار الموهبة، ومدرسة تتشكل فيها شخصية الفنان. ولذلك تبقى الخشبة، بالنسبة إليه، نقطة البداية التي لا تفقد ضرورتها مهما اتسعت مسارات الدراما وتعددت منصات العرض.



