بين فضاءات الضحك الهادف وظلال المفارقات الاجتماعية الجادة، أضاءت «دبي أوبرا» يومي 9 و10 أكتوبر الجاري بعرض مسرحي استثنائي، التقى خلاله نخبة من ألمع نجوم المسرح الكويتي؛ ليصنعوا حالة فنية فريدة تجسدت في المسرحية الكوميدية «مهندس الذوق العام».
لم يكن العرض مجرد ليلة كوميدية تعبر فيها الابتسامات شُرفات المسرح فحسب؛ إنه رحلة إنسانية تسبر أغوار البيوت العربية، وتستعرض بأسلوب ساخر وذكي تفاصيل العلاقة بين الزوجين وهموم المستقبل والتربية.
وفي كواليس العمل الذي قدمته شركة «القيصر إيفنتس» ضمن فعاليات مهرجان دبي للكوميديا 2026، التقت «البيان» صنَّاع العرض ونجومه؛ ليحكوا لنا عن أسرار العمل، والتحديات الكبيرة التي تواجه الكوميديا المسرحية في زمن الشاشات المفتوحة، حيث أكد المؤلف والمخرج المسرحي عبدالعزيز صفر أن الفكرة الأساسية لعمله المسرحي الجديد نبعت من نص قام بتأليفه وصياغته منذ نحو عامين، وتحديداً أثناء عمله على مسرحية «الأول من نوعه».
وأوضح صفر أن النص يغوص في تفاصيل ومعاناة الرجل والمرأة أثناء فترة الحمل، محاولاً تسليط الضوء على الأفكار والخلافات التي تدور بينهما حول كيفية صناعة مستقبل طفلهما القادم؛ بداية من اختيار اسمه، وصولاً إلى التفكير في كيفية تمهيد الطريق له ليواجه الواقع والمجتمع.
وأشار إلى أن الزوجين في العمل يقرران اختيار وظيفة غير تقليدية لولدهما المنتظر، وهي وظيفة «مهندس الذوق العام»، إيماناً منهما بأنه سيكون المنقذ للمجتمع والمعدل لذائقة الناس، حيث يستعرض العمل معالجة إنسانية واجتماعية تسبر غور البيوت العربية وما يتخللها من ضغوط وسوء فهم وتبادل للأدوار والأحلام بين الزوجين.
تحدٍّ جديد
وفي سياق حديثه عن واقع الكوميديا المسرحية، بيَّن صفر أن المتلقي اليوم يختلف كلياً عن جمهور الأمس؛ إذ أصبحت الكوميديا متاحة على مدار الساعة من مختلف أنحاء العالم عبر منصات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، ما فرض واقعاً جديداً وتحدياً كبيراً على صنَّاع المسرح في تقديم محتوى مختلف وجذاب.
وأضاف أن الكوميديا تتطور بتطور الأجيال، مشيراً إلى أن الجيل الحالي من الممثلين والجمهور يمتلكون لغتهم واهتماماتهم الخاصة، تماماً كما كانت الأجيال السابقة تملك نمطها الخاص في الترفيه والضحك.
ولفت إلى أن التحدي الأكبر بالنسبة إليه ككاتب يكمن في كيفية تحويل القضايا والهموم الاجتماعية الجادة إلى طرح ساخر وكوميدي يتقبله الجمهور ويناقشه بوعي، مع الحرص التام على الحياد بين شخصيات العمل، وتعرية دوافعها وأفكارها دون التمييز أو الضغط على طرف لحساب آخر.
واختتم الكاتب والمخرج عبدالعزيز صفر تصريحه بتأكيد صعوبة صناعة الكوميديا في الوقت الراهن، خاصة بعد التراث العريض والثرى الذي قدَّمه كبار الأساتذة في المسرح الخليجي والعربي من إسقاطات ومواقف كوميدية، مشدداً على أن الرهان الحقيقي اليوم يتجسد في القدرة على الإضافة والابتكار وتطوير الأدوات الفنية لتقديم مسرح يعبّر بصدق عن هموم الناس وأحلامهم داخل بيوتهم.
مواقف مشوّقة
وكشف الفنان خالد المظفر عن ملامح شخصيته المسرحية الجديدة «عبدالوهاب»، واصفاً إياه بالشخص الحالم الذي يتمنى أن يُرزق بطفل ليكون «مهندس الذوق العام»، وهو حلم يراود كل أب يسعى لتنشئة ابن كامل المواصفات، مشيراً إلى أن العرض يتناول هذه الرحلة في إطار من المواقف الكوميدية المشوقة لمعرفة مدى نجاحه في تحقيق هذا الهدف.
وأكد المظفر أن التحدي الأكبر الذي يواجه صنَّاع الكوميديا في الوقت الراهن يكمن في الحجم الكبير للإرث الفني الذي تركه كبار القامات المسرحية والفنية في الكويت والخليج والوطن العربي، موضحاً أن الكوميديا كانت ستصبح أسهل لو بدأت في منتصف القرن الماضي، إلا أن أجيال الكوميديا الحالية تجد أنفسها أمام مسؤولية ضخمة للسير على خطى عمالقة الفن؛ أمثال عبدالحسين عبدالرضا، وسعد الفرج، وطارق العلي، وحسن البلام، وداوود حسين، إلى جانب أعمدة الكوميديا العربية والمصرية كفؤاد المهندس، وعادل إمام، وسعيد صالح، وسمير غانم، وصولاً إلى جيل محمد هنيدي ومحمد سعد وغيرهما.
وأشار إلى أن سر نجاح الفنان الكوميدي يكمن في البحث الدقيق عن التفاصيل اليومية للمجتمع؛ تلك التفاصيل الحية التي تلامس واقع الجمهور وتجعله يتفاعل مع العرض بشعور القرب والتماثل، مشدداً على حرصه المستمر على تطوير الكوميديا ومواكبة مزاج المتلقي، دون الإخلال بالمقومات والبناء المسرحي الأساسي من سينوغرافيا، وإخراج، وخطوط درامية متماسكة تعتمد على نص له بداية ووسط ونهاية.
وحول قضية الارتجال والخروج عن النص، أوضح المظفر أنه لا يوجد فنان كوميدي في العالم يلتزم بالحَرفية المطلقة دون أن يضع لمسته وخياله الخاص على الخشبة، لافتاً إلى أن نصاً واحداً قد يتغير أداؤه وتأثيره الكوميدي كلياً بحسب كاريزما الممثل وحركاته وانفعالاته. واستدرك مؤكداً أن شرط الخروج عن النص هو أن يكون «مفيداً للعمل» ونابعاً من قلب الحدث والسياق الدرامي، بدلاً من إقحام موضوعات خارجية لا تخدم الفكرة العامة.
وفي ختام حديثه، وجَّه خالد المظفر رسالة محبة لجمهوره، مؤكداً أنه بدأ مسيرته معهم وكبر بدعمهم، وأنه يستمد قوته وطاقته الإبداعية من تشجيعهم المستمر، معرباً عن أمنياته لدبي وأهلها بدوام الازدهار والتقدم والنجاح الدائم للفن.
10 سنوات
من جانبه، أكد الفنان خالد العجيرب عن اعتزازه البالغ بالعمل ضمن فرقة الفنان خالد المظفر المسرحية، مشيراً إلى أن العلاقة الممتدة بينهما لأكثر من 10 سنوات جعلته يرفض العديد من العروض الفنية الأخرى لتفضيله البقاء في هذا الوسط الفني المريح على حد وصفه.
وأوضح العجيرب أنه يقدّم 6 شخصيات متنوعة ضمن العرض المسرحي الجديد، تتنوع بين رجل مسن، ومطرب، ورياضي، ومدير مدرسة، وممرض، إضافة إلى تجسيده دور والد الفنان خالد المظفر (عبدالوهاب)، إلى جانب مشاهد أخرى يقف فيها في مواجهته.
وأشار إلى أنه يتمتع بحرية مطلقة على خشبة المسرح وتوجيه المشاهد وتعديل «الإفيهات» بما يتناسب مع طبيعة الجمهور، موضحاً أنه يحرص خلال العروض المقامة في الإمارات على تكييف النكات واللغة لتناسب الجمهور المحلي.
ولفت العجيرب إلى أن الوقوف على خشبة المسرح يتطلب موهبة حقيقية وتحدياً كبيراً لا يمتلكه أي شخص خفيف الظل في الحياة اليومية، مؤكداً أن النجاح على المسرح يتوقف أيضاً على مدى خدمة الدور للممثل.
وكشف الفنان الكوميدي عن سرٍّ فني للمرة الأولى، مبدياً عدم تخوفه من عدم تفاعل الجمهور مع بعض نكاته، بل إنه يستمتع بالبدائل ويتجاوز النكتة فوراً نحو المشهد التالي دون تردد، داعياً زملاءه الكوميديين إلى التحلي بالجرأة وعدم الخوف أثناء البروفات والعروض.
تجربة أولى
وأعربت الفنانة فاطمة دشتي عن سعادتها البالغة بخوض أولى تجاربها التمثيلية والوقوف على خشبة المسرح إلى جانب قامات وأسماء بارزة لها تاريخها وقيمتها الكبيرة في الوسط الفني، موضحةً أنها تجسّد خلال العمل شخصية «طبيبة نساء وولادة» تتسم بالجدية؛ إذ تؤدي دوراً توعوياً وطبياً داعماً لشخصية «رابحة» (نجمة العمل)، التي أُسندت إلى الفنانة إيمان فيصل، عبر تقديم النصائح والإرشادات الطبية المستمرة لها.
وأكدت أن أكثر ما جذبها للمشاركة في هذا العمل هو الوجود بين نخبة من النجوم والاستفادة المباشرة من خبراتهم، مشيرةً إلى أنها تعلمت من كل فنان شارك في هذا العمل على الصعيد الفني، ما أثرى تجربتها الأولى بشكل كبير.
وحول الفارق بين التمثيل المسرحي والتلفزيوني، أشارت دشتي إلى أن الوقوف على خشبة المسرح يحمل صعوبة خاصة؛ لكونه يعتمد على المواجهة المباشرة والحية مع الجمهور، ما يتطلب إيصال المشاعر والأفكار بدقة وبشكل لحظي، بخلاف العمل التلفزيوني الذي يتيح فرصة الإعادة والتصحيح أمام الكاميرا.
وفيما يتعلق بالتعاطي مع النصوص المسرحية والكوميدية، شددت على أهمية الالتزام بالنص الأساسي، مع ضرورة تحلي الفنان بالذكاء والمرونة لتكييف «الإفيهات» والتفاصيل البسيطة بما يتناسب مع طبيعة كل جمهور، مؤكدةً أن مراعاة ذائقة الحضور وتطلعاتهم أمر أساسي لتقديم عرض ناجح.
واختتمت فاطمة دشتي حوارها بالتعبير عن سعادتها بلقاء جمهور «دبي أوبرا»، مؤكدةً اعتزازها بالوقوف على هذا الصرح الثقافي والمرموق.




















