المسرح في الإمارات.. فضاء ثقافي يغذي الوعي المجتمعي

 المهرجانات المسرحية نافذة للحوار والتعبير وتبادل الأفكار
المهرجانات المسرحية نافذة للحوار والتعبير وتبادل الأفكار

المسرح في الإمارات ليس خشبة تُضاء في موسم ثم تنطفئ، بل فضاء رحب تتنفس فيه الثقافة وتنبض من خلاله الحياة، حيث يفتح أمام العائلات والشباب نافذة للحوار والتعبير وتبادل الأفكار، ويعزز حضور الفن في المشهد المجتمعي، ويعمل على ترسيخ الثقافة، وتعزيز الوعي المجتمعي، ويقدم فناً يلامس الإنسان، ويعكس ملامح المكان وهويته.

ويؤكد ياسر القرقاوي رئيس مجلس إدارة مسرح دبي الوطني، أن المسرح في الإمارات يسهم في بناء جمهور ثقافي مستدام من خلال نهج متكامل يجمع بين التربية الثقافية وجودة المحتوى واستمرارية التفاعل مع المجتمع، حيث يبدأ ذلك بغرس الوعي الفني لدى الأجيال منذ سن مبكرة عبر الشراكات مع المدارس والجامعات، وتقديم ورش وبرامج تعريفية تجعل المسرح جزءاً من التجربة التعليمية والحياتية، كما تحرص المسارح في الدولة على تقديم محتوى متنوع يلامس مختلف فئات المجتمع ويعزز الارتباط العاطفي والفكري بين الجمهور والمسرح.

وأشار إلى أن بناء الجمهور الثقافي المستدام يرتبط بجودة المحتوى نفسه، فالجمهور يتشكل وفق ما يُقدم له، وكلما قُدمت أعمال تحمل قيمة فكرية وجمالية عالية، ازداد وعي الجمهور واتسعت قدرته على التذوق والنقد، ما يحول المتلقي تدريجياً من جمهور عابر إلى جمهور واعٍ يبحث عن محتوى أكثر عمقاً وجودة.

وأضاف قائلاً: «إن جعل المسرح جزءاً من الحياة اليومية يتطلب سلسلة تفاعل تبدأ من المدرسة بوصف المسرح أداة تعليمية تسهم في بناء الشخصية وتعزيز مهارات الإلقاء والثقة بالنفس، ثم تمتد إلى المسرح الجامعي والشبابي الذي يمثل مساحة للتجريب وصقل المواهب، وصولاً إلى برمجة مستمرة من العروض والفعاليات التي تبقي المسرح حاضراً في الأدهان».

وأكد أن البرامج والمهرجانات والورش المسرحية تسهم في اكتشاف المواهب الجديدة من خلال بيئة تدريب عملي تكشف القدرات الحقيقية، وتوفر مسارات تطوير متدرجة تساعد على فرز المواهب القابلة للتطور، إلى جانب توفير الاحتكاك المباشر مع محترفين ما يسهم في توجيه المشاركين نحو التخصص المناسب، ما يضمن استدامة اكتشاف الطاقات الجديدة التي تحتاجها الدولة لتطوير قطاعات الصناعات الإبداعية.

ولفت إلى أن نجاح المسرح لا يُقاس بالحضور فقط أو بالأثر الثقافي وحده، بل بتكاملهما معاً، فالمسرح الناجح هو الذي يحقق انتشاراً جماهيرياً ويترك في الوقت نفسه أثراً ثقافياً حقيقياً في وعي المجتمع.

وأشار إلى أن توجه مسرح دبي الوطني يقوم على تعزيز التجربة الحية مع توظيف الأدوات الرقمية، وتقديم أعمال تعكس الهوية الوطنية ومواكبة التحولات المعاصرة، بما يجعل المسرح أكثر قرباً من الجمهور وأكثر تأثيراً في المجتمع.

من جهته أكد عبدالله السويدي رئيس مجلس إدارة مسرح الفجيرة، أن المسرح أسهم بشكل واضح في تنشيط الحركة الثقافية في الإمارة، من خلال تنظيم العروض المسرحية المتنوعة، المحلية والعربية والعالمية، ما جعله منصة ثقافية مستمرة تعزز الحراك الفني وتفتح المجال أمام تبادل الخبرات، كما أسهمت استضافة المهرجانات والفعاليات المسرحية في تعزيز التفاعل الثقافي والحوار بين التجارب المختلفة، حيث بات المسرح وسيلة لمد جسور التواصل بين الثقافات.

وأشار إلى أن التعاون مع مؤسسات ثقافية عربية ودولية أسهم في تطوير الإنتاج الفني والمعرفي وترسيخ الهوية الثقافية، ليصبح المسرح عنصراً فاعلاً في المشهد الثقافي المحلي.

 الحراك المسرحي يغرس الوعي الفني في نفوس الأجيال
الحراك المسرحي يغرس الوعي الفني في نفوس الأجيال

وأوضح أن مسرح الفجيرة نجح في استقطاب العائلات والشباب من خلال مجموعة من البرامج والفعاليات التي تجمع بين الترفيه والقيمة الثقافية، من أبرزها المهرجانات المسرحية الكبرى، مثل مهرجان الإمارات لمسرح الطفل، الذي يعد منصة مهمة لبناء جمهور مسرحي من الأطفال والعائلات، ويسهم في تنمية الإبداع وترسيخ القيم الثقافية منذ سن مبكرة، وتشكل أيام الشارقة المسرحية أحد أبرز التظاهرات المسرحية في الدولة، حيث تجمع مختلف الأجيال المسرحية وتسهم في تعزيز الحراك الفني.

وتابع قائلاً: «إن مهرجان دبي لمسرح الشباب يمثل مساحة حيوية لاحتضان طاقات الشباب ومنحهم فرصة للإبداع والتجريب المسرحي، فيما يمتاز مسرح الطفل الذي يقدم خلال المواسم والإجازات بمحتوى ترفيهي وتربوي يجذب الأطفال وأولياء الأمور معاً».

وقال إن الورش التفاعلية والمبادرات الشبابية، مثل ورش التمثيل والإخراج، تشجع المشاركة المباشرة وتحول الجمهور إلى صناع محتوى، وتسهم العروض الكوميدية والاجتماعية التي تعكس قضايا المجتمع بأسلوب مبسط وقريب من الجمهور في زيادة الإقبال، خاصة لدى فئة الشباب.

وأشار إلى أن اكتشاف المواهب المحلية ودعمها يعتمد على مجموعة من الآليات، من بينها المسرح المدرسي الذي يسهم في اكتشاف المواهب منذ سن مبكرة، فضلاً عن الورش التدريبية المستمرة بإشراف خبراء محليين ودوليين، وإشراك الشباب في الإنتاج المسرحي بمختلف تخصصاته، مثل التمثيل والإخراج والكتابة، وذلك لبناء جيل جديد من المبدعين.

وأوضح الفنان المسرحي مرعي الحليان أن العلاقة بين الجمهور والمسرح في الإمارات كانت طبيعية في بدايات انطلاق الحركة المسرحية وتأسيس الفرق في بداية التسعينيات، حيث واكبت العروض المسرحية آنذاك انشغالات الشارع المحلي وقضايا المجتمع، مع جيل المسرحيين الأوائل مثل: عبيد صندل وعبدالله المطوع وسلطان الشاعر.

وأشار إلى أن هذه العلاقة استمرت على النهج نفسه مع نتاجات مسرح دبي الشعبي، الذي قدم الكثير من الأعمال في إطار المسرح الاجتماعي المرتبط بحياة الناس وتفاصيلهم اليومية، لافتاً إلى أن الحال تغير مع دخول أفكار المسرح المنكفئ على نفسه، موضحاً أن طبيعة بعض الأعمال التي اتسمت بالسوداوية والميلودراما المبالغ فيها أسهمت كذلك في هروب الجمهور الطبيعي من القاعات، وفقدان المسرح لقدرته على التواصل مع المجتمع.

وقال إن الواقع اليوم يشير إلى غياب حركة مسرحية تعيش في حياة المدينة بوصفها فعلاً فنياً يومياً حاضراً في إيقاع الحياة، وأن مسرح الناس والجمهور بات غائباً، وإن وُجد في بعض التجارب والمهرجانات.

وأكد أن المسرحيين أنفسهم يتحملون مسؤولية غياب «مسرح الحياة» وهروب الجمهور، معتبراً أن اندفاع بعضهم وراء تحقيق مكتسبات شخصية جاء على حساب العطاء الفني المنشغل بقضايا الناس واهتماماتهم.