تحتفي الأمسيات الثقافية في دبي بأعلام الشعر العربي، الذين كانت لهم بصمات مميزة منحت التراث الأدبي تألقه الفريد ومكانته الإبداعية العالية، وتضيء عبر أنشطتها الحافلة بالبرامج الثرية على ملامح أولئك العظماء، مقدِّمة للأجيال الشابة صورة متكاملة عن ثقافتهم العربية تدعو للزهو والافتخار.
وكانت مكتبة محمد بن راشد على موعد مع إحدى تلك الأمسيات أخيراً بعنوان «الأخطل الصغير»، حيث تحاورت بلاغة الكلمة في قصائد الشاعر اللبناني الراحل بشارة الخوري مع روعة الطرب الأصيل في مشهد بهيج، التقت خلاله «البيان» عدداً من المبدعين الذين أكدوا دور فعاليات دبي الثقافية المهم في إحياء إبداعات الشعراء البارزين وسيرتهم المشرِّفة، مشيرين إلى أن مكتبة محمد بن راشد تحتفي بنتاجات أعلام الأدب وسيرهم.
قامات كبيرة
وأوضح الناقد الأدبي الدكتور عماد خلف أن الأمسيات الثقافية التي تحتضنها دبي إحياءً لذكرى القامات الكبيرة في الشعر العربي تحقق فائدة عظمى في استحضار قيمة أولئك الشعراء الأفذاذ، مشيراً إلى أن الشاعر المجيد يبقى حيّاً في الذاكرة، لكنَّ مثل تلك النشاطات تنهض بدور مهم في تعريف الأجيال الجديدة بالأسماء اللامعة في سماء الأدب العربي.
وعن أهمية شعر بشارة الخوري على المستويين الأدبي والفني، قال خلف: «الأخطل الصغير شاعر غنائي عاش في زمن اعتنى فيه الموسيقيون بانتقاء أجمل القصائد وتلحينها، وقد قُيِّض لشعره مبدعون كبار كمحمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وأسمهان وفيروز وغيرهم»، مؤكداً أن الغناء العربي أنصف الأخطل الصغير بإبراز قصائده التي تعبِّر عن عمق تجربته الإبداعية.
قيم عليا
من جانبها، أكدت الناقدة كنانة عيسى ضرورة تلك الفعاليات الحوارية التي تقيمها دبي؛ لما تقدِّمه من توعية للمهتمين بالشعر العربي والثقافة والموروث الأصيل، لافتةً إلى أن الذاكرة المعاصرة تأثرت بتبعات التكنولوجيا المتسارعة، ما أوجب على المثقفين محاولة استنهاض القيم العليا المرتبطة بأسماء الرعيل الأول من المبدعين أمثال الأخطل الصغير.
وأوضحت أن تجربة الأخطل الصغير الشعرية تميَّزت بإيقاع رشيق بواسطة الجناس والتكرار الحرفي في بعض الأشطر، الأمر الذي جعلها مادة دسمة للموسيقيين العظماء، مضيفةً أن موهبته اتَّسمت أيضاً بالموسوعية؛ إذ كان مترجماً ومطلعاً على الشعر الغربي، واستطاع أن يُحدث تجديداً حقيقياً من خلال سلاسة تعبيراته وعذوبة تراكيبه.
ألق مشرق
من جهته، أشاد المطرب ريان جريرة بالجهود الثقافية التي تبذلها مكتبة محمد بن راشد بدبي في سبيل نشر الإبداع المميز وتعزيز حضوره في النفوس عبر الملتقيات التي تحتفي بالأدب والفن، مؤكداً أن التراث العربي الشعري والغنائي سيظل خالداً تتناقله الأجيال، وسيحافظ على ألقه المشرق على مر الأزمان بفضل تأثيره الطاغي العابر للعصور.
وقال جريرة: «لقد تربَّينا على كلمات شاعر الحب والجمال بشارة الخوري، فهو حي في وجداننا وإنسانيتنا بروعة بيانه وعمق تجربته الإبداعية»، منوهاً بأن الألحان التي نُسجت بها أغاني قصائد الأخطل الصغير جاءت محكمة بديعة تليق بقيمة نتاجه الشعري، وكانت قادرة على توصيل صوره البليغة إلى أرواح المتلقين وخيالهم.
مسؤولية كبيرة
ووصفت المطربة حلا طراد وقوفها على مسرح مكتبة محمد بن راشد في دبي للتغني بقصائد الأخطل الصغير بأنه كان مسؤولية كبيرة، مؤكدةً أنها حرصت خلال هذه التجربة الممتعة على إيصال الأغاني إلى الجمهور بالروعة ذاتها التي أدَّاها بها المطربون الأصليون الكبار، وبالإحساس الصادق الذي تحلَّى به الشاعر الراحل وهو ينظم أعماله البديعة.
وقالت: «كان أكبر مخاوفنا أثناء التحضير لبرنامج الأمسية من الأثر الذي ستُحدثه في نفوس الحضور، ومدى رضاهم وإعجابهم بأداء تلك الأغاني الصعبة التي أبدع فيها عظماء الغناء العربي»، معربةً عن سعادتها البالغة بتفاعل الجميع، ولا سيما الشباب، مع ما تم تقديمه من حفل طربي تزيَّن بالتصفيق المتتابع الذي لم تتخلَّله لحظة ملل.



