على امتداد التاريخ العربي، ظل الشعر مرآة الروح الجماعية للأمة، ولسان نبضها حين تضيق العبارة ويفيض الإحساس.
وفي زمن تتزاحم فيه الفنون والوسائط على انتباه المتلقي، يبقى السؤال معلقاً: هل ما زال للشعر ذلك الوهج القديم؟ وهل ما زالت القصيدة قادرة على أن تدهش، وتطلق عنان الأفكار، وتفتح نوافذ المعنى في الوعي الجمعي؟
في هذا الحوار، يفتح الشاعر الإماراتي كريم معتوق قلب تجربته الإبداعية، مستعيداً علاقة العربي التاريخية بالشعر، ومؤكداً أن القصيدة لم تفقد سحرها ولا قدرتها على التأثير.
يتحدث معتوق لـ «البيان» عن تحولات تجربته الفنية، وعن انتقاله إلى فضاءات قصيدة التفعيلة بما تمنحه من حرية أوسع للخيال والصورة، كما يتأمل مكانة الشعر في زمن الرواية، مستحضراً ظلال قامات شعرية كبرى تركت أثرها في الوجدان العربي.
وبين رؤيته للشعر بوصفه الفن الأعلى في لغته الأم، وتأملاته في سر الموهبة والإبداع، يمضي الحوار في رحلة بين اللغة والخيال والذاكرة الشعرية، ليكشف جانباً من عالم شاعر يرى أن القصيدة الحقيقية لا تتبع موضوعها، بل تجعل الموضوع ينصهر في يد الشاعر حتى تنتصر القصيدة في النهاية.
ويؤكد الشاعر الإماراتي كريم معتوق أن القصيدة العربية لا تزال قادرة على إحداث الدهشة والأثر الكبير في التفكير الجمعي للمجتمع، مشيراً إلى أن الأمة العربية هي أمة شاعرة، وأن الشاعر لا يزال يتمتع بمكانة مقدرة في مجتمعه، حيث يحضر الشعر في أعراس الأمة وأحزانها ومنابرها.
شعر ورواية
وفي معرض حديثه عن المنافسة بين الفنون الأدبية، يوضح معتوق أنه لا يتوافق مع مقولة إن «الرواية سحبت البساط من تحت الشعر»، واصفاً الرواية بأنها فن مستحدث في الأمة، متميز بقابليته للعالمية عبر الترجمة دون فقدان عناصر الجمال، بخلاف الشعر الذي يشكل أعظم الفنون الأدبية، ولكن في لغته الأم فقط.
ويشير إلى أن الرواية تكتب في عزلة عن الشعر، فهي تقدم معرفة «تفقد بريقها بعد معرفتها»؛ ولذلك لا يقرؤها المرء أكثر من مرة، بينما يسمع الشعر الجميل مرات متعددة، مشدداً على أن «عظماء الأمة في الأدب جلهم من الشعراء قديماً وحديثاً».
وعي متطور
وحول توجهه الواضح نحو قصيدة التفعيلة في ديوانه الأخير، يكشف معتوق أن الرؤية الفنية هي التي أملت عليه هذا الانطلاق نحو الأرحب والأوسع في الشعر، مبيناً أن أدواته تطورت من حصر الشعر في الموضوع والوزن أيام المراهقة، إلى إدخال الخيال والصور الشعرية، وصولاً إلى اليقين بأن الشاعر يجب ألا يتبع الموضوع، بل يجب أن يتبع الموضوع الشاعر فينصهر كعجينة بيده.
ويؤكد أن هذا الوعي المتطور لا يمكن أداؤه بالأدوات القديمة، لذا كان من الطبيعي الخروج إلى التفعيلة التي وصفها بأنها «سعة مهداة للشاعر» أزالت عنه ضغط القوافي المقحمة والضرورات، وفكت قيده من ثبات القوافي وأعدادها، مضيفاً أن هذه المرونة سهلت دخول القص الشعري والحوارات، ما منحه مبرراً للانطلاق من الخليج إلى المحيط، ومن البستان إلى الغابة.
استحضار الرواد
وعن استحضاره قامات شعرية مثل الجواهري والبردوني ونزار قباني ومحمود درويش في قصائده، أوضح كريم معتوق أنه يشعر بوجود صلة رحم بين الشعراء، معتبراً إياهم ورثة بعضهم بعضاً.
ويشرح محاولته استشعار اللغة والزاوية التي كان سيكتب بها هؤلاء الراحلون لو شهدوا الحرائق والفصول المرعبة التي تمر بها بلدانهم اليوم، مشيراً إلى أنه في قصيدته «لو عاد نزار» تقمص قاموس نزار ورؤيته، بينما في حالة محمود درويش، فقد ابتعد عن لغته المعتادة ليكون «بثوب درويش» الذي يتبع الصورة أكثر مما تعنيه الموسيقى الصاخبة.
وفي ختام حديثه، يلفت معتوق إلى أن النصيحة في منظومة الإبداع ذات أثر محدود، لأن الإبداع مرجعيته الموهبة والعطية الربانية وليس الدراسة، داعياً الشعراء الشباب إلى ضرورة نزع حالة الخوف من التجارب، وأن يتحلوا بالجانب الحسن للغرور، وهو الغرور الفني الذي يكتب فيه الشاعر هازماً الموضوع ومنتصراً لرؤيته، لتكون النتيجة في النهاية هي انتصار القصيدة.
