تُعد قصة لوتشانو بافاروتي مع بلدة "لانغولين" الويلزية واحدة من أكثر الفصول إثارة في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية، فهي ليست مجرد حكاية عن فوز في مسابقة، بل هي لحظة الميلاد الحقيقية لأسطورة غيَّرت وجه الأوبرا عالمياً.
بدأت الحكاية في صيف عام 1955، حينما كان العالم لا يزال يضمد جراح الحرب، وكان الشاب الإيطالي لوتشانو، المدرس المتدرب الذي لم يتجاوزالـــ 19 عاماً، يخطو خطواته الأولى خارج حدود مسقط رأسه "مودينا".
لم يكن بافاروتي آنذاك يطمح في المجد، بل جاء مدفوعاً بحلم والده "فرناندو" وشغفه، حيث سافر الثنائي مع جوقة "كورالي روسيني" المكونة من مجموعة من الهواة والبسطاء، ليتنافسوا في مهرجان "لانغولين" الدولي للموسيقى (Eisteddfod).
كانت تلك الرحلة هي الأولى لبافاروتي خارج إيطاليا، وهي التجربة التي صهرت شخصيته الإنسانية قبل الفنية؛ حيث لم يقم في فنادق فاخرة، بل عاش لأسبوع كامل في ضيافة عائلات ويلزية بسيطة، شاركهم طعامهم وحياتهم اليومية، وهو ما غرس في نفسه تقديراً عميقاً للموسيقى كجسر بين الشعوب.
وظل بافاروتي طوال حياته يفتخر بإتقانه نطق اسم البلدة المعقد "لانغولين"، متحدياً صعوبة حرف الـ LL الويلزي الذي يستعصي على الأجانب، معتبراً إتقانه للنطق بمثابة رد جميل لأهل البلدة الذين احتضنوه صبياً مغموراً.
إن العمق الدرامي لهذه القصة يكمن في العلاقة الاستثنائية بين لوتشانو ووالده فرناندو، الخباز الذي كان يمتلك حنجرة ذهبية من فئة "التينور" لم تُستغل احترافياً أبداً بسبب تواضعه.
كان بافاروتي يؤمن يقيناً، حتى في أوج شهرته، بأن صوت والده يتفوق على صوته في الصفاء والقوة، وكان يعتبر نفسه مجرد امتداد لهذا الصوت الذي لم يخرج للعالم.
وعندما أعلنت نتائج المسابقة في ذلك العام بفوز جوقتهما بالمركز الأول ، لم يصدق لوتشانو المسامع؛ فقد وصف لأرملته "نيكوليتا مانتوفاني" تلك اللحظة الدرامية أكثر من 1000 مرة، مؤكداً كيف ساد صمت رهيب قبل إعلان النتائج، وكيف بدأ الرفاق يتبادلون نظرات اليأس بعد عدم ذكر أسمائهم في المراكز من 5 إلى 2، حتى صرخ المذيع باسمهم كأبطال للمركز الأول1.
لقد كانت هذه التجربة الإنسانية، والعيش في بيوت البسطاء، هي الملهم الحقيقي الذي ولد لديه لاحقاً فكرة مشروعه الشهير "بافاروتي والأصدقاء"، حيث سعى لإنزال الأوبرا من أبراجها العاجية لتختلط بحياة الناس في الشوارع والبيوت.
وبالانتقال إلى الذروة الفنية في حياة بافاروتي، يبرز عام 1990 كمحطة عالمية كبرى حينما غنى مقطوعته الخالدة "نيسون دورما" (Nessun Dorma) في كأس العالم بإيطاليا، وهي اللحظة التي جعلت صوته مرتبطاً للأبد بالثقافة الشعبية والرياضية . و
مع ذلك، ظل قلب بافاروتي معلقاً بتلك البلدة الويلزية الممطرة، مما دفعه في عام 1995، وبعد مفاوضات مضنية استمرت لسنوات، إلى العودة لإقامة "حفل الوفاء" التاريخي.
لم يكن الحفل مجرد استعراض للقوة الصوتية، بل كان تكريماً لوالده الذي شاخ؛ حيث اشترط لوتشانو شرطاً غير قابل للتفاوض بأن يتقاسما رئاسة المهرجان معاً ليوم الأول .
وفي تلك اللحظة التي أبكت الحشود، وقف أعظم تينور في التاريخ ليقدم والده للجمهور، ليس كخباز من مودينا، بل كملهم حقيقي وصانع للأسطورة التي يقف العالم أمامها إجلالاً، مؤكداً أن الفوز في 1955 كان مع أصدقائه، وهو اليوم الأكثر ذكرى في حياته.
هذا الحفل شهد حضور 4500 شخص في القاعة، و3000 خلف الشاشات، وعشرات الآلاف في بث خارجي، مما جعله حدثاً قومياً في ويلز وإيطاليا على حد سواء.
واليوم، ومع حلول عام 2026 الذي يصادف الذكرى 90 لميلاد لوتشانو بافاروتي، تكتسب هذه القصة أبعاداً جديدة مع إطلاق شركة "ديكا" (Decca) لألبوم "الحفل المفقود" (The Lost Concert).
هذا العمل ليس مجرد استعادة للذكريات، بل هو معجزة تقنية تزامنت مع الذكرى 70 لرحلته الأولى عام 1955.
لقد استُخدمت تكنولوجيا متطورة لعزل وترميم الصوت، تشبه تلك التي استُخدمت مؤخراً لإحياء أغاني فرقة "البيتلز"، مما يتيح للمستمعين لأول مرة سماع صوت بافاروتي في سن الـ 19 بنقاء مذهل وكأنه يغني اليوم، ومقارنته بحنجرته المهيمنة في سن الـ 60.
هذا الإصدار يرفع من وعي الأجيال الجديدة بقيمة بافاروتي ليس فقط كمغني، بل كأيقونة وفاء إنساني، ومع استمرار أرملته نيكوليتا في تقديم "كأس بافاروتي" للمواهب الصاعدة في "لانغولين"، يظل إرثه نابضاً بالحياة، مما يضمن تصدر اسمه لمحركات البحث بصفة مستدامة، حيث يكتشف العالم يوماً بعد يوم سر ذلك الصوت الذي انطلق من قرية ويلزية ليغزو القلوب في كل بقاع الأرض.
