«اعترافات 2».. «ملكة البوب» مادونا تعود بقوة إلى ألقها الذهبي


عندما عادت مادونا إلى الاستوديو بعد فترة انقطاع دامت ست سنوات، كان مشهد موسيقى البوب قد تغيّر بشكل جذري. ومع ذلك، قدمت «ملكة البوب» من خلال ألبومها الجديد «اعترافات 2» (Confessions 2) درساً استثنائياً في كيفية الحفاظ على العطاء الاستثنائي والامتداد الفني، مستعيدة عرشها بكل سلاسة واقتدار، مستلهمة فلسفة المزج المتواصل دون انقطاع التي تميز بها ألبومها الكلاسيكي (Confessions on a Dance Floor) عام 2005، مع لمسات الإلكترونيك المتقنة التي طبعت ألبوم (Music) عام 2000، يأتي هذا العمل الجديد ليكون أكثر مشاريعها الموسيقية تناسقاً، وحيوية، وانتصاراً منذ عقود.


ففي الوقت الذي لامست فيه تجاربها المبكرة في بداية القرن الحادي والعشرين آفاق الموسيقى الإلكترونية الروحانية السامية (كما في ألبوم Ray of Light)، أو اتجهت نحو المساءلة السياسية بقالب من الروك الشعبي والإلكترونيات الحادة (كما في ألبوم American Life)، يرتكز ألبوم (Confessions 2) على أرضية أكثر قوة وتأثيراً: سيرة ذاتية خالصة ومجردة من أي رتوش.


فبدلاً من الاختباء خلف الاستعارات المبهمة أو المراهنة على صيحات الراديو العابرة، تحول مادونا أرضية الرقص إلى كرسي اعتراف، كاشفة عن محطات تاريخها الشخصي فوق إيقاعات متقنة من الديسكو و«السينث ويف».


ويتجلى الثقل العاطفي للألبوم بشكل جليّ في انكشافها الإنساني الشجاع دون تردد؛ ففي أغنية «Fragile» ـ وهي محطة مؤثرة وآسرة مهداة إلى روح أخيها الراحل ـ تتعامل مادونا مع مشاعر الفقد وروابط الدم المشتركة وسط طبقات إلكترونية نابضة. وتجعل أغنية «The Test» من تسليم الراية بين الأجيال تجربة حية من خلال تعاون لافت مع ابنتها «لولا»، لتطعم أوج النشوة الموسيقية في الألبوم بتأملات أمومة دافئة.


وفي الوقت نفسه، تقدم أغنية «Betrayal» مواجهة حادة ومطهّرة للنفس مع زوجة أبيها، حيث تنفذ إلى عمق التعقيدات العائلية بكلمات في غاية الدقة والحدة. إن هذه الأغاني مجتمعة ترتقي بالعمل ليتجاوز مجرد كونه مجموعة ألحان للنوادي الليلية، لتصوغ من هذا المزج الموسيقي المستمر مذكرات ذاتية عميقة الأثر.


ورغم ذلك، إذا كان الألبوم بمثابة التاج، فإن جوهرته غير المسبوقة هي أغنية «Danceteria»؛ إذ تبرز الأغنية فوراً بوصفها التحفة الفنية المحورية في هذا العمل، مطلقة المحرك السردي للألبوم بإعلان هو الأوضح والأكثر مباشرة في المجموع الكلي: «لديّ شيء أريد الحديث عنه».
وما يتلو ذلك ليس سوى نقلة أسلوبية عبقرية؛ حيث تعتمد مادونا أسلوب السرد القصصي المشبع بالتفاصيل وبناء الشخصيات ـ وهو الأسلوب الذي أتقنته تايلور سويفت بواقعية شهيرة ودقة متناهية في التفاصيل، وأسماء حقيقية من دائرة معارفها في وسط مدينة نيويورك أوائل الثمانينيات، بمن فيهم جان ميشيل باسكيات، وكيث هارينغ، وماريبول، وديبي مازار. إنه سرد ذاتي محبوك بتركيز تام، يتعامل مع موسيقى البوب بوصفها تاريخاً شفهياً حياً ونبضاً يستعيد الزمن.


والأهم من ذلك أنه رغم استعارة ذلك الانضباط السردي على طريقة «سويفت»، تحافظ مادونا تماماً على جيناتها الموسيقية الخاصة؛ فبينما ازدهر السرد القصصي لدى تايلور سويفت عبر موسيقى الكانتري، والفولك، والسينث بوب، فإنها أي سويفت لم تغامر قط بالدخول في عوالم «الديسكو الأصيل».
وتلج مادونا تلك المساحة الشاغرة بسلاسة بالغة، زافّةً السيرة الذاتية شديدة التفاصيل إلى نشوة موسيقى النوادي الليلية، ولا يبدو الأمر مجرد تحية أو محاكاة، بل يشبه قيام قامة فنية متمرسة باستعادة أرضيات الرقص التي أسهمت هي نفسها في بنائها، لتذكر المستمعين بأنه قبل وجود أي مخطط سردي لموسيقى البوب الحديثة، كانت هناك فتاة شابة تصنع التاريخ في مانهاتن السفلى.


يتحقق نجاح ألبوم (Confessions 2) لأنه يحتفي بكل جانب من جوانب إرث مادونا الفني. مدعوماً بتدفق إنتاجي لا ينقطع يحافظ على تصاعد مستويات الطاقة من أغنية إلى أخرى بفضل عبقرية المنتج ستيوارت برايس، ليوازن الألبوم بين أصل الديسكو النوستالجي المبهج، والرزانة العاطفية الناضجة.
إنه يثبت أنه بعد أربعين عاماً تحت أضواء الشهرة، لا تحتاج مادونا إلى إعادة اختراع العجلة لتأسر العالم من جديد ـ كل ما تحتاجه ببساطة هو أن تروي قصتها على أرضية الرقص. إنه عمل جريء، ومبتكر، ومفعم بالحياة، وهو بلا شك العودة إلى الألق والقمة التي طال انتظار الجمهور لها.