الإمارات تحول الموسيقى إلى أصل اقتصادي يدعم الإبداع

إبراهيم جمعة
إبراهيم جمعة
حبيب الياسي
حبيب الياسي
راقية ناصر
راقية ناصر
محمد عبد العظيم
محمد عبد العظيم

لم تعد الأغنية التي تنساب بهدوء في ردهة فندق، أو قائمة الموسيقى التي ترافق زبائن مقهى، أو المقطوعات التي تبثها صالة رياضية أثناء التمارين، مجرد تفصيل في المشهد أو خلفية مجانية للتجربة التجارية.

فاعتباراً من الأول من ديسمبر 2026، تدخل هذه الاستخدامات في الإمارات مرحلة تنظيمية جديدة، تعترف بالموسيقى باعتبارها مصنفاً إبداعياً له أصحاب حقوق وقيمة اقتصادية، حين تستخدم في نشاط تجاري.

هذا التطور جاء مع إطلاق وزارة الاقتصاد والسياحة «دليل الإدارة الجماعية في الموسيقى»، بموجب القرار الوزاري رقم 136 لسنة 2026، لتنظيم تحصيل وإدارة حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في قطاع الموسيقى.

واضعة بذلك إطاراً يشمل طيفاً واسعاً من الأنشطة التي تستخدم الموسيقى، بدءاً من المطاعم والمقاهي والفنادق ومراكز التسوق، وصولاً إلى شركات الطيران والمحطات الإذاعية، والحفلات والفعاليات.

وتبدأ الإمارات بهذه الخطوة مرحلة يصبح فيها للموسيقى اقتصاد أكثر وضوحاً، يستطيع من خلاله الملحن والمؤلف والمغني والعازف والمنتج الحصول على حصة من القيمة التي يصنعها عمله خارج منصات البيع والبث الرقمي.

منظومة أوسع

من جهته، رحب الفنان الإماراتي إبراهيم جمعة بالخطوة الجديدة لتنظيم حقوق الموسيقيين والمبدعين، معتبراً أن أهميتها تكمن في إيجاد جهة مسؤولة عن حفظ حقوق الفنان الإماراتي، سواء أكان مؤلفاً أم ملحناً أم مطرباً، داخل الدولة وخارجها.

وأكد لـ«البيان»، أن حماية الحقوق لا ينبغي أن تكون سوى جزء من منظومة أوسع للنهوض بالموسيقى الإماراتية، داعياً إلى إنشاء مؤسسة وطنية للإنتاج تتبنى المواهب، وتدعم المطربين والملحنين، وتنتج الأغنية الوطنية، إلى جانب الاهتمام بتوثيق الفنون الشعبية وإنشاء أرشيف سمعي وبصري متكامل للتراث الإماراتي.

وأوضح جمعة أن «القرار مهم، وأنا هنا أتحدث عن عوائده على الفنان الإماراتي، كما غيره، وعن حقوق المؤلف والملحن والمطرب. لدينا أغانٍ إماراتية تغنى وتستخدم في الدولة وخارجها.

وبالتالي يجب أن تكون هناك جهة مسؤولة عن متابعة حقوق أصحاب هذه الأعمال وحمايتها، المؤلف والملحن والمطرب لهم حقوق، ومن الضروري أن تكون هناك آلية واضحة تضمن وصول هذه الحقوق إليهم».

التصنيف المهني

وأشار إلى أهمية وجود جهة تتولى إدارة هذه الحقوق، ما سيحدث فارقاً بالنسبة لقطاع الموسيقي عموماً، وقال: «الأغنية عندما تستخدم في المقاهي أو مراكز التسوق أو غيرها من الأماكن، لا ينبغي أن يكون ذلك منفصلاً عن حقوق أصحاب العمل، لذلك أرى أن تنظيم هذه المسألة خطوة جيدة، لأنها تعطي الفنان حقه، وتؤكد أن للعمل الفني قيمة وحقوقاً يجب الحفاظ عليها».

وتابع جمعة: «هذا القرار يقتضي أن يكون هناك نوع من التصنيف المهني للفنان، سواء أكان ملحناً أم مؤلفاً أم مطرباً، بحيث يأخذ في الاعتبار خبرته وتاريخه وأعماله ومستواه الفني.

وأن تكون هناك معايير واضحة لذلك»، لافتاً إلى أن حماية الحقوق لا تكتمل من دون مؤسسة وطنية للإنتاج الفني، تتبنى المواهب الحقيقية، فلدينا مطربون جيدون جداً، وأصوات ممتازة، ومؤلفون وملحنون على مستوى عالٍ، لكن بعض هؤلاء لا يمتلكون الإمكانات المالية التي تتيح لهم إنتاج أعمالهم».

عائد مباشر

وفي تأكيد لأهميته، قال الفنان والمنتج حبيب الياسي: إن «القرار الجديد المتعلق بتنظيم حقوق استخدام الموسيقى يمثل خطوة مهمة وفي توقيت مناسب، لما يوفره من حماية أكبر لحقوق الفنانين والمبدعين، ويضمن حصولهم على مردود مادي مقابل استخدام أعمالهم الموسيقية في مختلف الأنشطة والمنصات».

وأضاف: «يتحمل الفنان تكاليف إنتاج أعماله وأغانيه، في الوقت الذي تنتشر فيه هذه الأعمال على نطاق واسع، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أم المحطات الإذاعية أم المطاعم والمقاهي وغيرها من الأماكن التي تستخدم الموسيقى بصورة مستمرة، من دون أن يحقق في كثير من الحالات عائداً مباشراً من هذا الاستخدام».

وتابع: «التنظيم الجديد يجعل التعامل مع الأعمال الموسيقية أكثر وضوحاً من الناحية القانونية، ويمنح الفنان حقه في الاستفادة من انتشار أعماله»، موضحاً «أن انتشار الأغنية أمر إيجابي ومطلوب.

لكن من المهم في الوقت نفسه أن يعود جزء من القيمة التي يحققها هذا الانتشار إلى صاحب العمل نفسه»، مشيراً إلى أن «القرار يعزز حماية الملكية الفكرية والحقوق الفنية، ويؤسس لمرحلة أكثر تنظيماً في التعامل مع الموسيقى باعتبارها نتاجاً إبداعياً يمتلك قيمة اقتصادية، وليس مجرد محتوى يمكن استخدامه من دون مقابل».

وفيما توقع أن «تسهم الخطوة بصورة ملموسة في توفير مصادر دخل إضافية للفنانين والعاملين في المجال الموسيقي، إلى جانب دورها في الحد من سرقة الأعمال أو استخدامها واستغلالها تجارياً من دون حفظ حقوق أصحابها».

اعتبر أن مثل هذه الإجراءات من شأنها أن تشجع الفنان على مواصلة الإنتاج والاستثمار في أعمال جديدة، في ظل وجود منظومة قانونية توفر له قدراً أكبر من الحماية، وتضمن أن يقترن انتشار أعماله بحفظ حقوقه المادية والفكرية.

تعزيز الحماية

وفي سياق موازٍ، أكد الفنان محمد عبد العظيم أن القرار الجديد الخاص بتنظيم حقوق استخدام الموسيقى في دولة الإمارات يمثل خطوة مهمة ليس على مستوى الدولة فقط، وإنما على مستوى المنطقة العربية عموماً، لما يؤسسه من حماية أكبر للحقوق الفكرية والمادية للعاملين في القطاع الموسيقي، ويوفر أساساً أكثر تنظيماً لنمو الصناعة مستقبلاً.

وقال: «إن أهمية الخطوة تكمن بصورة خاصة في انتقال مسألة حقوق الموسيقى من الإطار النظري إلى التطبيق العملي، مشيراً إلى أن إحدى المشكلات التي واجهت صناعة الموسيقى في العالم العربي تمثلت في غياب مثل هذه الأنظمة في بعض الدول، أو وجودها من دون تطبيق فعال في دول أخرى».

وأضاف: «ما يبعث على التفاؤل في التجربة الإماراتية هو أن القرارات التي يتم الإعلان عنها تتجه عادة إلى التنفيذ على أرض الواقع»، موضحاً أن «تطبيق نظام بهذا الحجم قد يواجه في بدايته بعض التحديات، لكن الأهم هو إطلاقه والبدء في تطبيقه، ثم تطويره استناداً إلى التجربة العملية».

وقال: «إن أي منظومة جديدة بهذا الحجم تحتاج إلى وقت حتى تتضح آلياتها وتعالج التفاصيل التي قد تظهر أثناء التنفيذ، لتصل في النهاية إلى الصورة الأكثر فاعلية.

ولكن من المؤكد أن البدء بتنظيم عملية استخدام الموسيقى في المنشآت والأنشطة المختلفة من شأنه أن يوفر حماية أكبر لأصحاب الأعمال الموسيقية، ويحد من استخدامها تجارياً من دون مقابل أو من دون حفظ حقوق أصحابها، وهو ما يسهم في ترسيخ مفهوم أن الموسيقى ملكية فكرية وأصل إبداعي له قيمة اقتصادية».

وأوضح عبد العظيم: «أن الأثر المنتظر لا يقتصر على تحصيل الحقوق، وإنما يمتد إلى تطوير القطاع الموسيقي نفسه، خصوصاً إذا أعيد توظيف جزء من العوائد والموارد المتأتية من المنظومة في دعم الإنتاج الموسيقي وتنمية المواهب وتعزيز البنية المهنية للقطاع».

مؤكداً أن «الإمارات تمتلك سجلاً واضحاً في تطوير قطاعات مختلفة عبر بناء التشريعات والبنية التنظيمية المناسبة لها، والتجربة السياحية تشكل مثالاً على قدرة الدولة على تحويل القطاعات التي تستهدفها إلى مجالات أكثر تنافسية وحضوراً عالمياً».

ريادة إماراتية

وفي الصدد ذاته، رأت الفنانة راقية ناصر أن القرار يمثل واحدة من محطات ريادة الإمارات في تبني أفضل المعايير العالمية في التعامل مع حقوق الملكية الفكرية، لافتة إلى أن لذلك مردوده على ثقة المبدعين بالبيئة الإبداعية الإماراتية، وكذلك على القطاع الموسيقي نفسه.

وقالت: «بالنسبة إلى صناعة الموسيقى، تحمل الخطوة دلالة تتجاوز الإيراد المالي المباشر؛ فالعمل الموسيقي قد يستمع إليه آلاف المرات يومياً في أماكن تجارية من دون أن تكون هناك دائماً آلية عملية واحدة تسمح لصاحب الحق بتتبع هذا الاستخدام والحصول على نصيبه منه.

لذا، فإن النظام الجديد يعزز التعامل مع الموسيقى بوصفها عملاً إبداعياً ذا قيمة فعلية، ويتيح انتقال العوائد إلى الفنانين وشركات التسجيل والمؤلفين الذين تقوم تجارب تجارية عدة على أعمالهم».

وأضافت: «في المطعم، تؤثر الموسيقى في الأجواء، وفي الفندق تدخل في تصميم تجربة الضيف، وفي صالة الرياضة تصبح جزءاً من إيقاع النشاط، بينما تمثل في الإذاعة والتلفزيون عنصراً مباشراً في المحتوى.

وهنا تقوم الفلسفة التي تقف خلف أنظمة الإدارة الجماعية للحقوق: المنشأة لا تضطر إلى التفاوض بصورة منفردة مع آلاف الملحنين والمؤلفين والمنتجين والمغنين.

وإنما تتولى جهة إدارة جماعية مرخصة تحصيل الحقوق نيابة عن أصحابها ثم توزيعها عليهم وفق الأنظمة المعتمدة، وبهذا المعنى لا يتعلق النظام الجديد بإضافة رسم تجاري، وإنما بإقامة حلقة مالية كانت غائبة أو محدودة بين من يصنع الموسيقى ومن يستخدمها لتحقيق قيمة تجارية».