«الموت العظيم».. كيف نجت النباتات من أكبر انقراض في التاريخ؟

قبل نحو 251 مليون عام، شهدت الأرض واحدة من أكبر الكوارث البيئية في تاريخها، عندما أطلقت ثورات بركانية في منطقة سيبيريا الروسية كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون على مدى نحو مليون عام، وأدى ذلك إلى ارتفاع درجات الحرارة واضطراب البيئة، في حدث عُرف باسم «الموت العظيم».

تسبب هذا الانقراض، المعروف علمياً بالانقراض البرمي الثلاثي، في اختفاء أكثر من 90% من الكائنات البحرية و70% من الأنواع التي عاشت على اليابسة، لكن بعض النباتات تمكنت من البقاء، وهو ما دفع العلماء إلى دراسة أسرار قدرتها على تحمل الظروف القاسية، والاستفادة من هذه النتائج لفهم فرص بقائها مع تغير المناخ الحالي.

ووفق تقرير نشره موقع «لايف ساينس»، استطاعت بعض النباتات النجاة بفضل خصائص تساعدها على تجديد أجزائها، وتخزين بذورها، والتكيف مع الحرارة والجفاف.

النمو من جديد بعد الضرر

تمتلك نباتات كثيرة قدرة على إنبات فروع جديدة بعد قطع الفروع القديمة، كما تستطيع تعديل نموها وفقاً للظروف المحيطة بها، وتساعدها هذه الخاصية على التعامل مع التغيرات البيئية بدلاً من الاعتماد على أنماط نمو سابقة.

وأظهرت أبحاث أن الفروع الجديدة في أشجار البلوط الأخضر تستطيع تحمل الجفاف بصورة أفضل من الفروع التي لم تتجدد، كما تتمكن نباتات عديدة من النمو مجدداً بعد الحرائق، بفضل براعم تبقى ساكنة حتى تتحسن الظروف.

وفي جنوب أفريقيا، تعتمد أنواع نباتية على الحرائق في دورة حياتها، إذ تنمو من جديد بعد احتراق أجزائها الظاهرة، بينما تحتاج بذور بعض الأنواع إلى حرارة النار حتى تبدأ الإنبات.

وتستخدم نباتات أخرى وسائل للحماية، مثل اللحاء السميك الذي يحمي براعم بعض أشجار الأوكالبتوس، أو تخزين البراعم تحت التربة، حيث تكون أقل تعرضاً للحرارة والبرودة الشديدتين.

بذور تنتظر الوقت المناسب

تستطيع بذور النباتات البقاء في التربة فترات طويلة دون نمو، ثم تبدأ بالنشاط عندما تصبح الظروف مناسبة، ويتيح ذلك لبعض الأنواع العودة بعد فترات الجفاف أو الظروف البيئية الصعبة.

وتساعد البذور أيضاً على حفظ التنوع الوراثي، الذي يمنح النباتات فرصاً أكبر للتكيف مع التغيرات، وقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة «ساينس» أن بعض مجموعات زهرة القرد القرمزية في الولايات المتحدة والمكسيك تمكنت من التكيف مع الجفاف بين عامي 2010 و2018.

ودرس الباحثون 55 مجموعة من هذا النبات، ووجدوا أن الاختلافات الوراثية ساعدت بعضها على تحمل نقص المياه، كما أظهرت النتائج أن التنوع الوراثي قد يساعد في توقع قدرة النباتات على النجاة من الجفاف.

طريقة مختلفة لمواجهة الحرارة

تستطيع بعض النباتات تغيير طريقة إنتاج الطاقة لتقليل تأثير الحرارة والجفاف، ومن هذه الوسائل نمط من البناء الضوئي تستخدمه نباتات مثل الصبار والعصاريات.

وتغلق هذه النباتات مسام أوراقها خلال النهار لتقليل فقدان الماء، وتمتص ثاني أكسيد الكربون ليلاً، ثم تستخدمه في إنتاج السكريات خلال النهار.

وأشارت دراسة نُشرت في مجلة «نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن» إلى أن هذه الطريقة ربما ساعدت بعض النباتات القديمة على البقاء خلال «الموت العظيم».

الجينات تزيد فرص البقاء

أظهرت أبحاث منشورة في مجلة «سيل» أن النباتات المزهرة ضاعفت مجموعاتها الجينية في تسع مناسبات خلال 150 مليون عام، تزامنت مع أحداث بيئية وجيولوجية مهمة. وقد تمنح هذه الزيادة النباتات فرصاً أكبر للتكيف والتطور.

ومع ذلك، لا تضمن هذه الخصائص نجاة جميع الأنواع، إذ تعتمد فرص البقاء على طبيعة الظروف المحيطة والتنوع الوراثي وموقع النبات.

ويرى الباحثون أن حماية الموائل الطبيعية والحفاظ على تجمعات النباتات وربط المناطق المتفرقة يساعد على تبادل التنوع الوراثي، ويزيد فرص التكيف.

حادث «الموت العظيم» يكشف أن النباتات تمتلك وسائل متعددة للصمود، لكنها ليست محصنة من الانقراض، ومع استمرار تغير المناخ، قد يكون الحفاظ على التنوع النباتي عاملاً أساسياً في تعزيز فرص بقائها.