اختفت الشمس فارتعبوا.. كيف هزّ الكسوف حضارات العالم القديم؟

كان اختفاء الشمس المفاجئ في منتصف النهار، منذ آلاف السنين، مشهداً قادراً على بث الرعب في نفوس البشر، ففي زمن لم تكن فيه حركة القمر والأرض مفهومة، كان الكسوف الشمسي يبدو وكأنه حدث يتجاوز الطبيعة، وربما رسالة غامضة تحمل تحذيراً أو نذيراً بالخطر.

ومع اقتراب كسوف شمسي كلي، كان العلماء والمؤرخون يعودون إلى الطريقة التي تعاملت بها الحضارات القديمة مع هذه الظاهرة، وكيف تحولت لحظات اختفاء الشمس إلى أساطير وطقوس، وربما أثرت في قرارات سياسية وعسكرية وهجرات سكانية وفق smithsonianmag.

ويشير علماء الفلك الذين درسوا تاريخ الكسوفات إلى أن البشر القدماء كانوا على الأرجح ينظرون إلى الشمس والقمر باعتبارهما من أبرز القوى الإلهية في معتقداتهم، ولذلك فإن اختفاء الشمس فجأة في وضح النهار لم يكن حدثاً عادياً يمكن تفسيره بسهولة، بل كان يمكن أن يُفهم باعتباره علامة على غضب الآلهة أو نذيراً بما هو أسوأ.

في الصين القديمة، ارتبط الكسوف الشمسي بأسطورة تنين يلتهم الشمس، وكان الناس يقرعون الطبول ويحدثون ضوضاء عالية في محاولة لإخافة التنين وإجباره على إعادة الشمس إلى السماء.

وفي حضارة الإنكا في أميركا الجنوبية، اعتُبر الكسوف علامة على غضب إله الشمس، وكان القادة يحاولون معرفة سبب هذا الغضب والعمل على استرضائه.

لكن الباحثين يواجهون مشكلة كبيرة عند محاولة تحديد الكسوفات التي شاهدتها المجتمعات القديمة قبل ظهور الكتابة. فبعض الرسوم والنقوش الحجرية يمكن تفسيرها على أنها تمثيلات للشمس أو الكسوف، لكن لا توجد دائماً أدلة كافية لإثبات ذلك.

ومن أبرز الأمثلة نقوش صخرية في منطقة تشاكو كانيون بولاية نيو مكسيكو الأميركية، إذ يرى بعض الباحثين أن أحد النقوش الدائرية قد يمثل كسوفاً كلياً للشمس حدث عام 1097 ميلادية. كما شهدت المنطقة كسوفين كليين آخرين عامي 1257 و1259، إضافة إلى مذنب شديد السطوع ظهر عام 1264 وكان من الممكن رؤيته بالعين المجردة.

وتزامنت هذه الأحداث السماوية مع بداية هجرة كبيرة للسكان الذين عاشوا في المنطقة، إذ ترك أفراد من شعب الأناسازي مستوطناتهم وغادروا المنطقة. ويرى المؤرخون أن الجفاف كان السبب الرئيسي وراء هذه الهجرة، لكن بعض الباحثين لا يستبعدون أن تكون الظواهر السماوية الاستثنائية قد تركت أثراً نفسياً في السكان، وربما عززت شعورهم بأن المكان لم يعد آمناً أو مناسباً للحياة.

ومع ذلك، يحذر علماء الفلك من تفسير النقوش القديمة بصورة مبالغ فيها، إذ يمكن أن تحمل الرموز الحجرية معاني متعددة، ولا توجد طريقة مؤكدة دائماً لمعرفة ما كان الفنان القديم يقصده.

ومن أقدم السجلات المحتملة لكسوف شمسي محدد لوح طيني عُثر عليه في مدينة أوغاريت الساحلية القديمة في سوريا، ويُعتقد أنه يتضمن إشارة إلى كسوف وقع في 5 مارس عام 1223 قبل الميلاد، كما تعود سجلات صينية للكسوفات إلى فترة زمنية قريبة من ذلك.

وفي القرن السابع قبل الميلاد، شهدت جزيرة باروس اليونانية كسوفاً شمسياً أثار دهشة الشاعر أرخيليخوس، الذي وصف تحوّل النهار إلى ظلام مفاجئ، في تعبير يعكس حجم الصدمة التي كانت تسببها الظاهرة في عالم لم يكن يعرف تفسيرها الفيزيائي.

لكن تفسير الكسوف بدأ يتحول تدريجياً من الأسطورة إلى العلم في اليونان القديمة، ويُنسب إلى الفيلسوف أناكساغوراس، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، أحد أقدم التفسيرات التي ربطت الكسوف بالظلال بدلاً من غضب الآلهة، فقد أدرك أن كسوف الشمس يحدث عندما يسقط ظل القمر على الأرض، بينما يحدث كسوف القمر عندما يسقط ظل الأرض على القمر.

وتوجد أيضاً قصة شهيرة عن عالم الفلك اليوناني طاليس الملطي، الذي يُقال إنه تنبأ بكسوف عام 585 قبل الميلاد، أثناء حرب طويلة بين الليديين والميديين، وعندما ظهر الكسوف، ألقى الطرفان السلاح وتوصلا إلى السلام، وفقاً لما رواه المؤرخ اليوناني هيرودوت.

لكن هذه القصة ليست محسومة بالكامل. فهيرودوت كتب عنها بعد الحدث بنحو قرن، كما أن المؤرخين يشككون في قدرة طاليس في ذلك العصر على تحديد اليوم أو الشهر أو المكان الذي سيظهر فيه الكسوف بدقة، وربما كان قد توقع حدوث كسوف في سنة معينة، ثم تحولت النتيجة لاحقاً إلى قصة عن تنبؤ دقيق.

وتكشف هذه الرواية أيضاً عن القوة التي كانت للظواهر السماوية في المجتمعات القديمة، فقد كان ظهور الشمس أو اختفاؤها قادراً على التأثير في قرارات البشر، حتى عندما لم يكن من الممكن فهم السبب العلمي وراء الظاهرة.

ومع مرور القرون، تغير دور الكسوف من مصدر للخوف إلى أداة علمية. ففي عام 1919، ساعدت مراقبة كسوف شمسي العلماء على اختبار نظرية ألبرت أينشتاين في الجاذبية، المعروفة باسم النسبية العامة. وأظهرت النتائج دعماً لنظرية أينشتاين، في لحظة أصبحت لاحقاً من أشهر المحطات في تاريخ الفيزياء الحديثة.

واليوم، لم يعد الكسوف لغزاً بالنسبة إلى العلماء، إذ يمكن حساب مواعيده ومساره بدقة تمتد لقرون، وتحديد المناطق التي ستشهد الكسوف الكلي والثواني التي يصل فيها إلى ذروته.

ومع ذلك، لم تختفِ رهبة المشهد، فالإنسان المعاصر يعرف أن القمر يمر بين الأرض والشمس ويحجب ضوءها، لكنه لا يزال يختبر الإحساس نفسه بالدهشة عندما يتحول النهار إلى ظلام خلال دقائق.

تكشف قصة الكسوف أن الظاهرة نفسها لم تتغير، لكن طريقة الإنسان في فهمها تغيرت جذرياً، فمن رسالة محتملة من الآلهة وتنين يلتهم الشمس، إلى ظاهرة فلكية يمكن التنبؤ بها بدقة، حيث ظل اختفاء الشمس للحظات مشهداً قادراً على ترك أثر عميق في البشر.