كشف مشروع أثري جديد في شمال العراق عن ملامح مدينة منظّمة تمتد على 340 هكتاراً تحت الحقول الزراعية المحيطة بموقع مدينة نمرود، إحدى أهم عواصم الإمبراطورية الآشورية، وذلك بعد نحو مئة وثمانين عاماً ظل فيها التنقيب منصبّاً على القصور والمعابد والمنحوتات الملكية وحدها.
المشروع، المعروف اختصاراً بـ«NiLTAP» ويقوده باحثون من جامعة أوديني الإيطالية بينهم دانييلي موراندي بوناكوسي، نُشرت نتائجه الأولية في دورية «Antiquity» العلمية. وقد جمع الفريق بين صور جوية تاريخية ومسح سطحي وخرائط بالطائرات المسيّرة وقياسات مغناطيسية، ليعيد بناء أجزاء من النسيج الحضري الذي نشأ حول المركز الملكي للمدينة.
وتشير القياسات المغناطيسية في القطاعات التي مُسحت إلى أنماط تتّسق مع شبكات شوارع منظّمة وأحياء سكنية ومجمّعات معمارية كبرى، فيما يُعد من أوضح المؤشرات حتى الآن على طريقة عيش السكان خارج المحيط الملكي.
صور الحرب الباردة
اعتمد الباحثون في مرحلة أولى على صور تجسس أميركية رُفعت عنها السرية، التقطتها طائرات «U2» وأقمار «CORONA» و«HEXAGON» بين عامي 1967 و1974، وأظهرت آثار تحصينات وبوابات وشوارع، إضافة إلى مناطق بدت كثيفة الاستيطان وأخرى متفرقة ومساحات مفتوحة.
وخلال موسم العمل الميداني عام 2025، اختُبرت هذه الملاحظات بأدوات حديثة، إذ أنتج الفريق خريطة طبوغرافية جديدة وصورة جوية مقوّمة ونموذجًا رقميًا للتضاريس، ومشى الأثريون المدينة السفلى ضمن شبكة قياسها 40 × 40 مترًا لتسجيل المواد السطحية وتوزيعها.
لماذا بقيت مجهولة كل هذه المدة؟
منذ أن بدأ أوستن هنري لايارد التنقيب في نمرود عام 1845، تركّز الاهتمام على الأكروبوليس وما يحويه من قصور ونقوش. ولم تُبذل محاولة جادة لدراسة التخطيط العمراني للمدينة السفلى إلا بين عامي 1987 و1989، قبل أن توقفها الحرب.
غير أن هذا الإهمال حفظ الموقع بصورة استثنائية. فالمدينة السفلى تحيط بها أسوار تحصين يقارب طولها ثمانية كيلومترات مع بوابات وأبراج ضخمة، ولم يُعَد استيطان المنطقة على نطاق واسع بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية عام 612 قبل الميلاد، فيما لا تتجاوز الحراثة الزراعية الحديثة عمق عشرين سنتيمترًا تقريبًا.
وتدل الشواهد على استيطان يمتد من الألف الثالث قبل الميلاد حتى العصر الإسلامي، بنشاط مكثف في المراحل الآشورية الوسيطة والحديثة وما بعدها.
منظومة مائية محيرة
عثر المسح على مواد كتابية، أغلبها شظايا من الطابوق المشوي المنقوش، بينها قطع تعود إلى خمسة موشورات مختلفة تُنسب إلى الملكين سنحاريب وآشور بانيبال، وهما ممن حكما بعد انتقال البلاط الإمبراطوري من نمرود.
وأثار المشروع كذلك سؤالًا أساسيًا عن مصدر مياه المدينة. فالملاحظات الطبوغرافية الجديدة حول قناة «باتي-حيغالي» التي شُيّدت في عهد آشور ناصربال الثاني تشير إلى أن التصور التقليدي للمنظومة المائية قد يحتاج مراجعة جوهرية، إذ يرجّح الباحثون أن منظومة قنوات تقع إلى الشمال ربما كانت المصدر الرئيس للمياه.
وكانت نمرود مقرًا إمبراطوريًا آشوريًا بين نحو 879 و707 قبل الميلاد، وهو ما يمنح الأثريين نافذة طويلة نادرة على تطور مدينة إمبراطورية. ولا يزال العمل في مراحله الأولى، على أن تتوسع المواسم المقبلة في المسوح الجيوفيزيائية وتضيف دراسات جيوأثرية وتنقيبات محدودة ثم أوسع.

