بعد الزلزال الذي ضرب مصر بقوة 5.6 درجات على مقياس ريختر فجر 3 أغسطس 2026، وشعر به سكان القاهرة والجيزة وعدد من المحافظات، عاد أحد أقدم الألغاز الهندسية في التاريخ إلى الواجهة وهو كيف استطاع هرم الهرم الأكبر أن يقاوم الزلازل ويحافظ على هيكله لأكثر من 4600 عام؟
ففي الوقت الذي تكشف فيه الزلازل الحديثة هشاشة كثير من المنشآت أمام الاهتزازات الأرضية، يقف هرم خوفو في هضبة الجيزة شاهدا على هندسة استثنائية سبقت علوم الهندسة الحديثة بآلاف السنين.
وكشفت دراسة علمية حديثة أن السر لا يكمن فقط في ضخامة أحجاره، بل في تصميم هندسي دقيق جعل الهرم يتعامل مع الاهتزازات بطريقة مختلفة عن المباني التقليدية، ما ساعده على مقاومة تأثير الزلازل المتكررة عبر العصور.
ونشرت الدراسة في دورية Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature، حيث استخدم الباحثون أجهزة قياس متطورة لرصد الحركة الطبيعية للهرم دون إلحاق أي ضرر به، بهدف فهم الآليات التي حافظت على بقاء هذا الصرح العملاق.
الهرم لا يهتز مثل الأرض
قام العلماء بقياس الاهتزازات في 37 نقطة داخل الهرم وحوله، شملت حجرة الملك، وحجرة الملكة، والممرات، وحجرات تخفيف الضغط، إضافة إلى التربة المحيطة.
وأظهرت النتائج أن للهرم الأكبر تردداً طبيعياً للاهتزاز يتراوح بين 2 و2.6 هرتز، بينما يبلغ تردد التربة المحيطة نحو 0.6 هرتز.
وهذا الاختلاف بين حركة الهرم وحركة الأرض يقلل خطر ظاهرة الرنين الزلزالي، وهي الحالة التي تتوافق فيها اهتزازات المبنى مع اهتزازات التربة، ما يؤدي إلى تضخم الحركة وزيادة احتمالات الضرر.
استقرار مذهل
بُني هرم خوفو نحو عام 2600 قبل الميلاد باستخدام حوالي 2.3 مليون كتلة حجرية، وكان ارتفاعه الأصلي نحو 146.6 مترا.
ويمنحه شكله الهرمي ووزنه الهائل قدرة عالية على توزيع القوى، إذ تنتقل الأحمال تدريجيا نحو القاعدة العريضة، ما يقلل من احتمالات الانهيار أو التشوه أثناء الاهتزازات.
حجرات تخفيف الضغط
من أبرز ما كشفت عنه الدراسة الدور الذي تلعبه الحجرات الموجودة فوق حجرة الملك خوفو، والتي صُممت لتخفيف الضغط الناتج عن وزن الأحجار الهائل.
وأظهرت القياسات أن هذه الحجرات لا تحمي الحجرة الداخلية فقط من الأحمال، بل تساعد أيضا في تقليل تضخم الاهتزازات داخل الجزء العلوي من الهرم.
لم يكن زلزال عام 2026 أول اختبار يواجهه هرم خوفو؛ فقد تعرضت منطقة الجيزة عبر تاريخها لزلازل قوية، من بينها زلزال عام 1303 الذي يُعتقد أنه تسبب في أضرار لأجزاء من الطبقة الخارجية، وزلزال عام 1847 الذي قُدرت قوته بنحو 6.8 درجات، إضافة إلى زلزال عام 1992 بقوة نحو 5.8 درجات.
ورغم هذه الأحداث، بقي الهيكل الأساسي للهرم قائماً، بينما فقد بعض أحجار الطبقة الخارجية عبر القرون نتيجة عوامل طبيعية وبشرية.

