تخيل أنك تقف أمام جدرانٍ لم تهتز حين سقطت إمبراطورية (الأزتيك) العظيمة، ولم يوصد بابها حين اجتاح (الموت الأسود) شوارع أوروبا محولاً إياها إلى مقابر صامتة في القرن الرابع عشر.
نحن لا نتحدث هنا عن قلعة عسكرية أو حصنٍ منيع، بل عن (خزانة ميرتون) في قلب جامعة أكسفورد؛ تلك الكبسولة الزمنية المذهلة التي تختزل 750 عاماً من رحلة العقل البشري.
هناك، حيث تفوح رائحة (الغبار العتيق) والجلود النادرة، كان العالم يُحكم بالسر والقداسة؛ فالمعرفة لم تكن مشاعة، بل كانت كنزاً سيادياً يُحرس خلف صندوق خشبي عتيق لا يجرؤ أحد على فتحه إلا بطقس أمني مهيب يتطلب اجتماع ثلاثة مفاتيح وأقفال حديدية.
في ذلك الزمن، لم تكن الجواهر والسبائك هي ما يخشى الملوك ضياعه، بل كانت (الكتب) هي الذهب الحقيقي الذي يُربط بالسلاسل إلى الطاولات، وكأنها كائنات حية تُخشى سرقتها أو هروبها.
صندوق الكنوز
في كلية ميرتون بأكسفورد، يوجد صندوق عتيق يعود للقرن الثالث عشر. في العصور الوسطى، كان لابد من استدعاء ثلاثة من حاملي المفاتيح معاً للكشف عن الثروات الموجودة بداخله. لكن هذا الكنز لم يكن ذهباً أو مجوهرات، بل كان كتباً.
قد يبدو مثل هذا الأمان الصارم حذراً للغاية بالنسبة لمجرد "رقوق"، ولكن في العصر الذي سبق المطبعة، كانت الكتب سلعة قيمة؛ إذ كان إنتاجها يستغرق شهوراً، حيث كان لابد من كتابة النص بالكامل يدوياً وبدقة متناهية.
لذا، تماماً كما تطلب الجامعات اليوم تبرعات نقدية من خريجيها، أصرت كلية ميرتون على أن يتبرع زملاؤها في القرن الثالث عشر بالكتب لتأسيس نواتها الأولى.
تحدي الأوبئة
يمتد تاريخ المكتبة المذهل ليعكس قدرة المعرفة على البقاء رغم الكوارث الكبرى؛ فاستمراريتها لم تكن مجرد بقاء للمبنى، بل صموداً تاريخياً بدأ من عصر ما قبل اجتياح طاعون "الموت الأسود" لأوروبا، وصولاً إلى تجاوز جائحة "كوفيد-19".
هذا الربط الزمني يضع "ميرتون" في مكانة فريدة، كشاهد عيان على الأزمات البشرية التي لم تستطع إيقاف حركة تداول الكتاب داخل ردهاتها منذ صدور مرسوم التأسيس عام 1276، والذي جعلها تُوصف منذ العصر الفيكتوري بأنها أقدم مكتبة في إنجلترا.
تنظيم ريادي
ابتكرت المكتبة في وقت مبكر جداً ما يعرف اليوم بالفرق بين "كتب الإعارة" و"الكتب المرجعية"؛ حيث كانت الكتب التي تُربط بالسلاسل إلى الطاولات تُمثل أول نموذج للمكتبة المرجعية المتاحة للقراءة في أي وقت داخل الكلية.
هذا التحول من نظام الصندوق المغلق إلى الطاولات المفتوحة المربوطة بالسلاسل كان استشرافاً حقيقياً للنظم المكتبية الحديثة التي تفصل بين المجموعات المخصصة للإعارة الخارجية والمجموعات التي تُقرأ في المكان فقط.
ابتكار الأرفف
اقتربت خزانة ميرتون من أن تصبح مكتبة حديثة في سبعينيات القرن الرابع عشر، عندما تم بناء غرفة مخصصة لإيواء المجموعة المتنامية. وهنا قدمت ميرتون أول استخدام مسجل في بريطانيا للأرفف الأفقية لوضع الكتب في وضع عمودي.
ومن المثير للاهتمام أن الكتب كانت توضع وأعقابها (Spines) للداخل وعناوينها مكتوبة بالحبر على الورق المواجه للقارئ من الخارج، وذلك بسبب استخدام السلاسل التي كانت تُثبت على الحافة الخارجية لغلاف كل كتاب، لضمان عدم تشابكها أثناء القراءة.
لا تزال الغرفة التاريخية في ميرتون تنبض بالحياة حتى اليوم؛ فهي ليست مجرد مزار أثري، بل فضاء دراسي يستخدمه الطلاب بانتظام خلال الفصول الدراسية.
وبجانب "السقف البلوطي" الفاخر الذي جذب إعجاب الزوار، يظل هذا الاستخدام المستمر هو العامل الحاسم في منحها لقب "الأقدم"، إذ من الصعب العثور على غرفة مكتبة في العالم حافظت على وظيفتها الأصلية دون انقطاع لسبعة قرون ونصف، كما وصفتها الكاتبة "بياتريكس بوتر" في مذكراتها عام 1884 برائحتها "العتيقة والمتربة".
أساطير أدبية
في القرن العشرين، عزز كتاب مثل "روديارد كيبلينج" و"جون بوشان" سمعة المكتبة كأيقونة عريقة عبر الخيال التاريخي. ومع تزايد الاعتراف الثقافي بها، أصبحت الادعاءات حول عراقتها مبالغاً فيها حتى أُطلق عليها "أقدم مكتبة في العالم".
وقد أشار "إف سكوت فيتزجيرالد" في روايته "غاتسبي العظيم" لهذا السحر، حيث بنى بطله غاتسبي في قصره غرفة أطلق عليها "مكتبة كلية ميرتون". كما أن نوادي الطعام في جامعة برينستون الأمريكية تضم غرفاً تحاكي في تصميمها معمار ميرتون العريق.
تطرح البروفيسورة "تيريزا ويبر" تساؤلات فلسفية حول تعريف "الأقدم"؛ فهل نعتمد على بقاء "المجموعة المتماسكة" من الكتب؟ أم على بقاء "المساحة الفيزيائية"؟
ومن هنا تبرز أهمية "كهف دون هوانغ" في الصين كمثال للمجموعات التي ظلت في تخزين مستمر لقرون رغم انقطاع استخدامها. لذا، فإن ميزة ميرتون الحقيقية تكمن في "الاستمرارية البشرية" التي لم تتوقف، حيث استُخدمت من قِبل الجميع؛ من علماء الرياضيات في القرن الرابع عشر إلى مؤلف "سيد الخواتم" جي آر آر تولكين.
السياق الصحيح
ترفض الدكتورة "جوليا والورث" الادعاءات المطلقة بأن ميرتون هي الأقدم عالمياً، وتصفها بـ "واحدة من أقدم المكتبات الأكاديمية العاملة في أوروبا". وتشير بإنصاف مهني إلى وجود منافسين عالميين مثل مكتبة "القرويين" في المغرب، ودير "سانت كاترين" في مصر الذي تصنفه "غينيس" كأقدم مكتبة تعمل باستمرار في العالم، حيث تعود مجموعاته للقرن الرابع الميلادي، مما يجعله صاحب التاريخ المستمر الأطول عالمياً، وهو ما يضع ميرتون في سياقها العالمي الصحيح.
بينما تبدأ ميرتون مشروعاً لرقمنة مخطوطاتها النادرة، مثل نسخة القرن الخامس عشر من "حكايات كانتربري" ذات الحدود المزخرفة يدوياً، تظل التكنولوجيا مجرد فصل جديد في تطورها.
ورغم إمكانية الوصول للمخطوطات من أي مكان في العالم، يظل سحر المكان المادي وتجربة فهم كيف استخدم البشر الكتب في الماضي عاملاً لا يمكن استبداله، مما يثبت أن الكتب هي الكنز الأكثر ديمومة، سواء كانت "رقوقاً" في صندوق خشبي أو "بكسلات" في الفضاء الرقمي.

