شهدت منطقة «بيتين» في شمالي غواتيمالا، واحدة من أهم مناطق حضارة المايا، مؤخراً، العديد من الاكتشافات الأثرية التي تعزز فهمنا لتاريخ هذه الحضارة العريقة وتوسعها الجغرافي والثقافي. وتضم أكثر من 30 موقعاً أثرياً، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من 2000 سنة قبل الميلاد.
وتم الكشف مؤخراً عن بقايا مدينة قديمة تعود إلى حضارة المايا، ويقدر عمرها بنحو 3000 سنة، ما يضيف فصلاً جديداً إلى فهمنا للتاريخ الثقافي والحضاري لهذه المنطقة. تُعرف المدينة باسم «اللآلئ» أو «الأجداد»، وتقع على بعد حوالي 21 كيلومتراً من الموقع الأثري الشهير «أوآكساتون».
والجدير بالذكر أن الحكومة الغواتيمالية خصصت 10 ملايين دولار سنوياً لبرامج الحفريات والحفاظ على المواقع، بمشاركة من منظمات دولية مثل اليونيسكو، التي تعمل على حماية التراث الثقافي للمنطقة. وتُعد هذه المواقع مصدر دخل رئيس، إذ تدرّ السياحة على الاقتصاد الوطني مئات الملايين من الدولارات سنوياً، مع استقبال أكثر من مليوني سائح يعشقون استكشاف أسرار حضارة المايا، ويؤمنون بأهمية التراث الحضاري في بناء الهوية الوطنية.
الحقبة الكلاسيكية
وتُعد «اللآلئ» من أهم المواقع التي تعود إلى الفترة ما قبل الكلاسيكية الوسطى، وتحديداً بين عامي 800 و500 قبل الميلاد، حيث يُعتقد أنها كانت من أقدم المراكز الاحتفالية في المنطقة، وتتميز بتخطيط معماري متقن، يضم إهرامات وكُتلاً من الحجر منحوتة برموز فريدة من نوعها، تعكس التراث الثقافي والفني لحضارة المايا.
ومن بين الاكتشافات المهمة التي تم التوصل إليها، تمثالان يُمثّلان زوجاً من الأجداد، يُعتقد أنهما مرتبطان بممارسات الطقوس الدينية القديمة، وقد وُجدت تلك التماثيل بين آثار المدينة، وتعود إلى الفترة بين 500 و300 قبل الميلاد. كما عُثر في الموقع على هرم يبلغ ارتفاعه 33 متراً، يضم لوحات جدارية من الفترة ما قبل الكلاسيكية، بالإضافة إلى نظام من القنوات المائية يُعد فريداً من نوعه، ويُظهر مستوى متقدماً من الهندسة والبنية التحتية التي كانت تعتمدها تلك الحضارة.
هياكل معمارية
وفي السنوات الأخيرة، تم اكتشاف أكثر من 15 موقعاً جديداً في منطقة بيتين وحدها، بعضها يحتوي على هياكل معمارية فريدة وكتابات قديمة، بالإضافة إلى أدلة على نشاط ديني وتجاري مكثف في تلك الحقبة. وتُقدر أعداد سكان حضارة المايا في أوجها بأكثر من 6 ملايين نسمة، موزعين على حوالي 60 مدينة حضرية رئيسة، بينها «تيكال»، التي تعتبر رمزاً للعظمة المعمارية والفنية للحضارة، وتُعد واحدة من أكثر المواقع جذباً للسياح والباحثين، حيث تستقبل أكثر من مليوني زائر سنوياً.
وتشير الاكتشافات الحديثة إلى أن حضارة المايا كانت تمتد عبر مناطق واسعة من أمريكا الوسطى، بما يشمل أجزاء من غواتيمالا، هندوراس، بليز، السلفادور، وخليج المكسيك. وخلال السنوات العشر الماضية، تم الكشف عن أكثر من 20 هيكلاً معمارياً في بيتين، بالإضافة إلى شبكة تجارة واسعة النطاق، ما يبرز مدى تعقيد وتطور الحضارة، ويؤكد أن الحضارات القديمة كانت تتواصل بشكل مستمر مع بعضها، وتؤثر وتتأثر عبر مسافات طويلة.



