ابن سينا لم يربط بين الهيئة والوظيفة وطرح تساؤلات فلسفية
مزج بين علم الطب وعلم الغائية «العلة والسبب»
عاش في زمن سياسي مضطرب دون أن يربك منطقه الداخلي
تنبع أهمية كتاب القانون في الطب لابن سينا من كونه أول عرض موسوعي متكامل للطب في الحضارة الإسلامية، جمع فيه بين علم التشريح ووظائف الأعضاء والأمراض والعلاج، في بناء منهجي يجمع الطب بالفلسفة والملاحظة السريرية، وقبل ابن سينا لم يقدم التشريح بهذا الترتيب المنطقي والدقة المفهومية، إذ كانت موضوعاته موزعة في مؤلفات سابقة، بعضها مقتصر على عضو جسدي واحد، أو يفتقر إلى الربط بين البنية والوظيفة، فجاء كتاب «القانون» في الطب ليوحدها ويقدمها بلغة علمية رصينة تنسج العلم بالحكمة، والعقل بالملاحظة، فكيف كان ذلك؟
كتاب «القانون» في الطب
يعد كتاب «القانون» في الطب لابن سينا موسوعة علمية ضخمة جمعت معارف الطب القديمة في بناء منطقي متكامل، وظل مرجعاً رئيسياً في مدارس الطب الإسلامية والأوروبية حتى القرن السابع عشر، وقد خصص في الكتاب الأول منه قسماً واسعاً للتشريح ووظائف الأعضاء، عرف لاحقاً باسم «تشريح القانون»، وتناول فيه ابن سينا الجسد الإنساني من زوايا تركيبية ووظيفية وفلسفية.
ويمكن تلخيص محتوى هذا القسم في أربعة مسارات رئيسية كما أتى في كتابه:
أولاً: تشريح العظام
وصف ابن سينا الهيكل العظمي وصفاً شاملاً، محدداً عدد العظام وترتيبها ووظائفها، ومبيناً العلاقة بين شكل كل عظمة ومهمتها في دعم الجسد وحركته.
ثانياً: تشريح العضلات
تناول العضلات المتصلة بكل عضو، وشرح كيف تعمل على تحريك الأطراف وتثبيت الوضعيات، رابطاً بين البنية الفيزيائية والغاية العملية للحركة.
ثالثاً: تشريح الأعصاب
تحدث عن الأعصاب الحسية والحركية ومراكزها في الدماغ والنخاع الشوكي، وبين صلتها بالإدراك والعاطفة والاستجابة الحركية، وفق الفهم الفلسفي-الفيزيولوجي الذي كان سائداً في عصره.
رابعاً: الأوعية والأعضاء الرئيسة
خص القلب والشرايين والأوردة والكبد والطحال والكليتين والرئتين بالشرح، وبين دور كل منها في استمرار الحياة وتنظيم التنفس والتغذية.
وقد عرض مسار الدم كما كان معروفاً آنذاك على نهج جالينوس، أي انتقاله من الكبد إلى القلب عبر أوردة وشعيرات دقيقة، دون تمييز بين الدورتين الصغرى والكبرى، إذ لم يكن هذا الاكتشاف قد عرف بعد في زمنه، حتى أتى الطبيب ابن النفيس مكتشفاً الدورة الدموية بعد قراءة كتاب القانون في الطب.
ملامح فكر ابن سينا في التشريح
اللافت في نصوص القانون أن ابن سينا لا يكتفي بالوصف التشريحي، بل يربط دائماً بين الهيئة والوظيفة، ويطرح تساؤلات فلسفية عن الغاية من الخلق وشكل العضو وموقعه في منظومة الجسد، فيمزج بين علم الطب وعلم الغائية (العلة والسبب).
ومن هنا اكتسب تشريحه طابعاً تأملياً يتجاوز الدراسة الجسدية إلى فهم نظام الحياة بوصفه بنية واحدة متكاملة: القلب مركز الحياة، والدماغ مركز الإدراك، والرئة موضع تنقية الهواء، والكبد مركز التغذية وتنقية الدم.
أهمية الكتاب
تكمن أهمية الكتاب في أنه واضح في عرض الأعضاء ووظائفه، وبلا شك أنه أول مرجع منظم للتشريح يجمع الفلسفة والعلم، فكان أساساً لكل من جاء بعده، مما أكسبه الخلود والشهرة العالمية.
لماذا اشتهر القانون في الطب؟
أعجب الأطباء في المشرق والغرب بترتيب ابن سينا ومنطقه الفلسفي، فترجم القانون إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر على يد المترجم الإيطالي جيراردو الكريموني، وأصبح مرجعاً أساسياً في جامعات أوروبا، واستمر تدريسه خمسة قرون، لأن مؤلفه لم يقدم معلومات فحسب، بل قدم رؤية علمية فلسفية ترى الإنسان وحدةً منسقة بين الجسد والنفس، وبين الشكل والغاية، وهو ما جعل الكتاب حياً إلى اليوم في ذاكرة الطب العالمي.
سيرة ابن سينا
ولد في القرن العاشر الميلادي (980م) في أفشنة قرب بخارى بآسيا الوسطى، لم يكن طبيباً فقط، كان فيلسوفاً، وفلكياً، ومنطقياً، ورياضياً، وموسيقياً، كتب في كل علم وصل إليه عقل البشر، وترك ما يقارب 270 مؤلفاً بين كتب ورسائل، ومقالات، أبرزها: القانون في الطب، والإشارات والتنبيهات، والنجاة، وعيون الحكمة، والشفاء (موسوعة عقلية في الفلسفة والمنطق والطبيعيات والإلهيات).. ولكن بقي كتاب القانون أعظم أعماله انتشاراً، ويمثل ذروة مزجه بين الطب والعقل الفلسفي، وهذا لم يكن غريباً حينها وهو في بيئة ثقافية كبرى آنذاك، حيث بخارى مركز للعلم والأدب، وحيث تلقى تعليمه في مدارسها التي عرفت بازدهارها العلمي.
علاقة ابن سينا بالطب
كان ابن سينا يرى الطب فناً بقدر ما هو علم، ولهذا امتاز أسلوبه بالبساطة والوضوح، والقدرة على ترتيب الأشياء، فلم ير الجسد مجرد أعضاء، بل كائناً متناسقاً له غاية ووظيفة، ولم ينظر لأمراض الإنسان كظواهر منفصلة، بل كترابط بين النفس والجسد، بين الهواء والغذاء، بين المزاج والبيئة، وفي ذلك سبق عصره، لأنه قاوم أن يكون مجرد ناقل لتراث الإغريق، بل كان ينتقد ويحلل ويضيف، وهذا ما ميز شخصيته العلمية، على الرغم أنه عاش في زمن سياسي مضطرب، يتغير فيه الحكم بين السامانيين والبويهيين والغزنويين، دون أن يربك منطقه الداخلي، بل كانت السياسة حافزاً دفعه إلى التنقل من بخارى إلى جرجان، ثم إلى الري، ثم إلى همذان، ثم إلى أصفهان، وبقي يتنقل بين مجالس الأمراء والمكتبات الكبرى لتتسع خبرته.. ويترك في كل مدينة تلاميذ، ويكتب كتاباً، ويعلم علماً.
المصادر:
كتاب القانون في الطب، لابن سينا، الحسين بن عبدالله، تحقيق محمد أمين الضناوي، من دار الكتب العلمية، بيروت، 2007م. النص العربي الكامل المعتمد، وفيه تفصيل التشريح في الكتاب الأول.
كتاب ابن سينا في إيطاليا عصر النهضة: القانون والتدريس الطبي مطبعة جامعة برينستون، 1987م، وهو مرجع أكاديمي دقيق يوضح كيف انتقل القانون في الطب إلى الجامعات الأوروبية، وتأثيره في التعليم الطبي حتى القرن السابع عشر.






