بينما كانت القارات تتحرك والحضارات لم تولد بعد، كان هناك سر كوني يربض في أعماق البرازيل.
لقد كشف العلماء أخيراً عن "لغز جيرايسيت"، وهي حقول من النيازك الزجاجية (التيكتايت) التي نجحت في التخفي عن أعين البشر لأكثر من 6 ملايين عام.
هذا الاكتشاف المذهل يوثق لحظة ارتطام جسم فضائي مجهول بالأرض، محولاً صخورها إلى زجاج كوني تناثر على مساحات شاسعة، ليبقى شاهداً صامتاً على دمار قديم.
نُشرت تفاصيل هذا الحدث في مجلة "Geology"عبر فريق بحثي دولي بقيادة البروفيسور ألفارو كروستا،ما بدأ كبحث عن قطع صغيرة في ثلاث بلديات، انفجر ليصبح حقلاً هائلاً يمتد لأكثر من 900 كيلومتر عبر ولايات ميناس جيرايس وباهيا وبياوي.
هذا الانتشار الواسع يعكس الطاقة الهائلة للاصطدام الذي وقع في نهاية عصر الميوسين، والذي كان كفيلاً بتغيير وجه المنطقة للأبد.
بحلول يوليو 2025، جمع الفريق البحثي نحو 500 عينة، ليصل العدد اليوم إلى أكثر من 600 قطعة زجاجية فريدة.
تتنوع هذه القطع في أحجامها وأشكالها التي تشبه "الدموع" و"الأجراس"، وهي أشكال تشكلت نتيجة الاحتكاك العنيف بالغلاف الجوي أثناء عودة المادة المنصهرة من الفضاء إلى الأرض. و
تزن بعض هذه القطع أكثر من 85 جراماً، محتفظة بخصائص بصرية مذهلة تجعلها تتوهج باللون الأخضر الرمادي تحت الضوء القوي.
أثبتت الاختبارات الكيميائية أن "الجيرايسيت" ليست مجرد زجاج بركاني، بل هي مادة كونية بامتياز؛ فهي غنية بالسليكا (حتى 73.7%) وتتميز بجفاف شبه تام من المياه، وهو ما يؤكد تعرضها لدرجات حرارة خيالية لحظة الاصطدام.
وجود مادة "ليشاتيليريت" النادرة داخل هذه الشظايا هو الدليل القاطع الذي يفصل بين العلم والحقيقة وبين مجرد التكهنات البركانية.
رغم هذا الحقل الواسع، تظل "الفوهة" (Crater) الأصلية التي تسبب فيها الاصطدام قبل 6.3 مليون سنة مختبئة تحت رمال الزمن وتآكل الصخور. يتجه العلماء الآن بأسلحة المسح المغناطيسي والجاذبية نحو منطقة "ساو فرانسيسكو كراتون" العتيقة لكشف هذا الجرح الكوني المدفون.
ويؤكد البروفيسور كروستا أن فهم هذه الأحداث التاريخية ليس مجرد ترف علمي، بل هو ضرورة للدفاع الكوكبي وفهم المخاطر الحقيقية التي قد تواجهها الأرض مستقبلاً.

