يرى البلخي الإنسان جَسَداً ونَفَساً فتوازن أحدهما يقوي الآخر واختلاله يؤدي لمرضه
ينصح البلخي بتربية النفس على الهدوء والاعتدال في اللذة والحزن
شجّع على تجنب الأفكار السلبية وتأمل النفس والتحدث مع الذات أو معالج سلوكي مع النشاط الاجتماعي للابتعاد عن الاكتئاب ووساوس العزلة
البلخي لم يركّز على العقاقير فقط بل على الغذاء والرياضة والبيئة والتأمل والتواصل الاجتماعي
في زمنٍ كان الأطباء فيه يقيسون نبض الجسد ولا يلتفتون إلى نبض الروح، خرج من خراسان رجلٌ مسلمٌ اسمه أحمد بن سهل البلخي (850 / 934 م)، أي القرن التاسع الميلادي، ليقلب المفهوم السائد للطب رأساً على عقب، ويؤسس ما يمكن تسميته اليوم بـ«الطب النفسي الوقائي»، حيث رأى أن الإنسان ليس جسداً فحسب، بل كيانٌ مؤلّف من بدنٍ ونفسٍ، يتبادلان العلل والعافية، فإذا اضطرب أحدهما تضرّر الآخر، ليترك أحمد بن سهل للإنسانية كتاباً فريداً من نوعه، وهو بعنوان «مصالح الأبدان والأنفس»، واضعاً فيه تصوراً شاملاً للصحة.
الولادة والجذور
ولد البلخي في مدينة بلخ (الأفغانية)، ونُسب إليها، ودرس في بغداد في عصرٍ امتلأ بالفلاسفة والعلماء، وتأثر بأستاذه الفيلسوف الكندي، الذي فتح له باب التأمل العقلي والبحث في علل النفس، لم يكن البلخي طبيباً بالمهنة وحدها، بل مفكّراً واسع الأفق، جغرافياً، وفيلسوفاً، وشاعراً يرى في التوازن بين العقل والجسد طريقاً إلى صفاء الإنسان.
نشأ في مدينته بلخ التي اشتهرت منذ القرن الأول الهجري، بأنها موطن لعدد من الأشراف العرب والهاشميين الذين استقروا فيها بعد الفتح الإسلامي، امتزجت فيها الثقافة العربية بالفارسية، والعقل بالتصوف، ويعود نسب البلخي إلى أسرة عربية مخزومية استوطنت بلخ.
طبّ الأبدان وطبّ الأنفس
ألّف البلخي كتابه الفريد «مصالح الأبدان والأنفس»، وقسّمه إلى قسمين: الأول في طبّ الأبدان، والثاني في طبّ الأنفس.. في القسم الأول، قدّم رؤية متقدمة في الوقاية الجسدية، محدّداً أثر الهواء والغذاء والنوم والرياضة في توازن الجسم، وكان دقيقاً في ملاحظاته حتى يكاد يشبه علماء الفسيولوجيا المعاصرين، أيّ علم وظائف الأعضاء.
أما في القسم الثاني، فقد دخل ميداناً لم يدخله أحد قبله: الطب النفسي، تحدّث عن الكآبة والقلق والغضب والوساوس، وعن الوسائل التي تُعين الإنسان على استعادة سكينته، مثل التأمل وضبط الأفكار والإيمان بالقدر، فمن أقواله: «إذا اعتل الجسد يحتاج إلى دواء، والنفس إذا اضطربت تحتاج إلى تدبير العقل».
المرض النفسي
يقول في كتابه إن المرض النفسي قد ينشأ عن أسبابٍ نفسية داخلية كالحزن والقلق والخوف، أو عن أسبابٍ فسيولوجية تؤثر في كيمياء الجسد ووظائفه، كما أن العكس صحيح، فاختلال التوازن في الجسد قد يفضي إلى الحمّى والصداع وأمراض عضوية، بينما يؤدي اضطراب الروح إلى الانفعال والغضب والرهاب والكآبة.
ويرى البلخي أن بين الاضطرابات الجسدية والنفسية علاقة تفاعلٍ وتأثيرٍ متبادل، فحين يختل أحدهما يستجيب الآخر بالمرض أو الاضطراب، ومن هنا يُقارن بين المرض الجسدي والرهاب النفسي، مبيّناً أن علاج الثاني لا يقلّ أهمية عن علاج الأول، إذ يتطلّب إعادة التوازن بين العقل والجسد عبر التأمل، وضبط الانفعالات، وإصلاح الفكر، تماماً كما تُستخدم الأدوية والتغذية لعلاج أمراض البدن، فقال: «قد يُصاب الإنسانُ بآلامٍ في النفس كما يصاب بأوجاعٍ في الجسد، وكما يُطلب للجسد طبيبٌ يُعالجه، فكذلك تُطلب للنفس حكمةٌ تُداويها».
الرهاب النفسي
كان يرى في الحكمة امتداداً للمعرفة، لا لجنس صاحبها، فقال: «الحزنُ والخوفُ والغمُّ أمراضٌ للنفس، فإذا طالت مُدّتها صارت عللاً مزمنة، فينبغي معالجتها كما تُعالج علل الأبدان». لقد سبق البلخي العالم الغربي في إدراك العلاقة الوثيقة بين المشاعر والجسد، وذلك قبل فرويد بقرون طويلة.
الوقاية قبل العلاج
كان البلخي يمنع المرض قبل أن يعالجه، بأن دعا إلى تربية النفس على الهدوء، والابتعاد عن الانفعال، والاعتدال في اللذة والحزن، والبحث عن التوازن في كل شيء، ليقدم للإنسان نموذجاً مبكراً لما يُعرف اليوم بـ«العلاج المعرفي السلوكي»، لكنه بلغة عربية صافية، وبتفكير يستند إلى الحكمة القرآنية التي تمجّد الاعتدال، قال: «من أصابه الخوفُ ولم يعرف سببه، فليُكثر من تذكّر الطمأنينة، وليُعوّد نفسَه على السكون، فإن الفكر في سبب الخوف يُعظمه، والفكرَ في الأمن يُبدده».
وبرؤيته وضع أساساً لطب إنساني شامل، من خلال كتابه «مصالح الأبدان والأنفس» دون أن يقف تأثيره عند عصره؛ فقد أخذ عنه الرازي فكرة تلازم الجسد والنفس، وواصلها ابن سينا في فلسفة الطب.
إرثٌ ضائع وصوت باقٍ
ضاعت نسخ كثيرة من كتاب «مصالح الأبدان والأنفس»، وبقيت مخطوطات متناثرة في إسطنبول وأوكسفورد، غير أن أثره ظلّ يتردد في كتب من جاء بعده، إن قراءة البلخي اليوم ليست عودة إلى الماضي فحسب، بل تذكير بأن الطب العربي لم يكن جسدياً فقط، بل كان نفسياً، ورؤية إنسانية للاتزان والرحمة والعقل الهادئ، بتقديمه الطب بُعداً أخلاقياً ونفسياً، وجعل من العقل طبيباً للروح قبل الجسد، ومن السكينة وصفةً دائمة للحياة، هكذا وُلد العقل الهادئ في الطب.



