«الجامع» لابن البيطار.. العقل الأخضر في الطب العربي

من صفحات كتاب «الجامع» لابن البيطار في مكتبة آيا صوفيا مع رسومات نباتية مرفقة بالنص
من صفحات كتاب «الجامع» لابن البيطار في مكتبة آيا صوفيا مع رسومات نباتية مرفقة بالنص
 مصطلحات طبية باللون الأحمر في الكتاب
مصطلحات طبية باللون الأحمر في الكتاب

نبات مرسوم مع أجزائه لابن البيطار
نبات مرسوم مع أجزائه لابن البيطار
نسخة من مخطوطة ابن البيطار بخط النسخ
نسخة من مخطوطة ابن البيطار بخط النسخ
من الصفحات الداخلية للكتاب
من الصفحات الداخلية للكتاب

أسس لعلم الصيدلة النباتية وأضاف 200 دواء لم يسبقه إليها أحد

كتاب الجامع بدقته العلمية يتميز بالحس الإنساني والأدبي كما هو تراث الطب العربي.

لم يكن كتاب «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية» لابن البيطار، مجرد موسوعة طبية ضخمة، بل كان مرآةً لوعي عربي ناضج ربط بين الطبيعة والإنسان بلغة علمية دقيقة وروح شاعرية خضراء، جمع فيه مؤلفه خلاصة علوم العشب والدواء والغذاء، فصار الكتاب مرجعاً في الصيدلة والنبات والطب على مدى قرون، وأحد أكثر كتب التراث العربي نضجاً في منهجه وتماسكه ودلالته اللغوية.

ولادة وتأثر

وُلد ابن البيطار (ضياء الدين عبدالله المالقي) في مالقة بالأندلس (إسبانيا)، نحو سنة 593هـ، ما يوازي 1197م، وتلقى علومه الأولى على يد العالم النباتي أبي العباس النباتي، ثم توسع في دراسة كتب ديسقوريدس، المولود في شمال الجزيرة السورية (تركيا حالياً)، ودرس الطب في الإسكندرية ومن ثم في أثينا في القرن الأول للميلاد، وكان عالماً في الأدوية، كما درس البيطار كتب الإغريقي جالينوس، وكذلك كتب الرازي، لكنه تجاوزهم بمنهج خاص يجمع بين التجريب والدقّة اللغوية، ففي كتابه أو موسوعته «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية»، وضع نظاماً علمياً صارماً لتصنيف المواد الطبية، فجمع ما يزيد على 1400 دواء من نبات وحيوان ومعدن، موثقاً خصائص كل مادة، ومشيراً إلى مواضعها الجغرافية وأسمائها في اللغات المختلفة، ولم يكتف بالنقل، بل أضاف أكثر من 200 دواء لم يسبقه إليها أحد، ووصفها وصفاً تجريبياً من خلال مشاهدته الحسية.

ارتباط الاسم بمهنة البيطري

أمضى ابن البيطار سنوات طويلة في تأليف هذا العمل الفريد، متنقلاً بين بساتين الأندلس وسواحل المغرب، ثم في مصر ودمشق، جامعاً الأعشاب ومجرّباً خواصها، ومقارناً بين ما ذكره القدماء وما يراه هو في الطبيعة، وقد انطلقت مهمته من إيمان بأن الدواء لا يُستمدّ من الخرافة أو الظن، بل من التجريب والملاحظة، فكان أول من جعل النبات مختبراً مفتوحاً، لا ورقاً في كتاب، ومن هنا ارتبط اسمه بمهنة «البيطار»، أي الطبيب الذي يعالج الإنسان والحيوان والنبات، فصار اللقب عَلَماً عليه، وامتد اللقب مع الزمن في علم الطب البيطري إلى لغات العالم.

أسلوب ابن البيطار

كتب ابن البيطار موسوعته بلغة دقيقة ورشيقة في آن، يوازن فيها بين الاصطلاح العلمي والذوق الأدبي، فيقول عن الزعفران إنه «مفرحٌ للقلب» وعن العرعر إنه «حارس البطن»، فيمزج العِلم بالجمال، والعلاج بالبيان.. واعتمد في منهجه على المقارنة بين مصادر مختلفة، فكان يذكر رأي الطبيب اليوناني أو الفارسي، ثم يضيف عبارته المألوفة: «والصواب ما رأيته بالتجربة...»، ليؤكد استقلاله العلمي، وبهذا سبق روح المنهج التجريبي الذي سيظهر في أوروبا بعد قرون.

علم الصيدلة النباتية

أدواته كانت بسيطة، عبارة عن سكين صغيرة لجمع الأعشاب، وميزان دقيق لقياس الوزن، وأوعية فخارية للتجفيف والحفظ، ودفاتر من الرق يسجل فيها ملاحظاته بخطه، وبهذه الوسائل المتواضعة، أسس لعلم معقد ومنهجي هو علم الصيدلة النباتية، ومن ابتكاراته في هذا الكتاب إدخاله مفهوم «التوازن الدوائي» الذي يرى أن العلاج يعيد للجسد اعتداله الطبيعي، وأن لكل مرض دواءً بنقيضه، لا بمثله، وهو مبدأ اعتمدته لاحقاً الصيدلة الأوروبية في ضبط نسب المركّبات الدوائية.

ترجمات كتاب «الجامع»

تُرجم الكتاب بعد وفاته في دمشق سنة 646هـ إلى اللاتينية في القرن الثالث عشر الميلادي، وظل مرجعاً في أوروبا، وهو بعنوان:

Liber Aggregatus in Simplicia Medicamenta

وتمت الترجمة على يد تلاميذ مدرسة طليطلة وهم من الأوروبيين، حيث كانت لهم مقاعد دراسية محددة سنوياً ضمن الابتعاث لمدرسة المترجمين في طليطلة التي نشطت بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر.

ويبقى كتاب «الجامع» من أهم مراحل انتقال الطب العربي إلى أوروبا، بعنوانه الذي ترجمته الحرفية باللاتيني كما يلي: «الكتاب الجامع في الأدوية المفردة، المجموع من مؤلفين شتى، لمؤلفه ابن البيطار»، وتتوافر أقدم نسخة اليوم منه في مكتبة بودليان أو بودلي، في جامعة أوكسفورد، إذ كان مرجعاً في أوروبا خلال القرون الوسطى، وخاصة بعد الترجمة الفرنسية، ليبنوا عليها العقاقير الطبية الحديثة، حتى كتب يوماً المستشرق الألماني الشهير ماكس مايرهوف: «ابن البيطار هو أعظم عالم نبات في القرون الوسطى، وكتابه الجامع هو القرآن العلمي».

خلاصة

ومع كل هذه الدقة العلمية، لم يغب عن كتابه الحس الإنساني الذي يميز تراث الطب العربي، فهو لا يصف الأعشاب فحسب، بل يصف أثرها في النفس والجسد والبيئة، كأنما أراد أن يعيد الصلة المقطوعة بين الإنسان والطبيعة.

هكذا تجاوز «الجامع» حدود الطب ليصبح وثيقة حضارية تكشف عن عقل عربيّ كان يقرأ النبات ككلمة من كلمات الكون، وعندما طوى ابن البيطار صفحات حياته في دمشق، في الحادية والخمسين من عمره، وهو يقوم بأبحاثه التجريبية على النباتات، ليتسرب إليه السم أثناء عمله الاختباري لعشبة يصنع منها الدواء، بقي كتابه مفتوحاً بين أيدينا، يشهد على أن المعرفة لا تذبل، وأن زهرة صغيرة يمكن أن تخلّد صاحبها في ذاكرة الإنسانية.