متحفُ اللوفر أبوظبي يودع ملوك أفريقيا وملكاتها

أسدل متحف اللوفر أبوظبي الستار على النسخة الأولى من معرض «ملوك أفريقيا وملكاتها: أشكال الحكم ورموزه»، الذي استمر لأكثر من أربعة أشهر، وجمع بين عبقرية الفن، وعمق التاريخ، وثراء الرموز، ليعيد لنا رسم ملامح حضارة عريقة صنعت على مر العصور مجد القارة السمراء.

وقد شهد المعرض، الذي اختتم فعالياته في يونيو الجاري، إقبالاً واسعاً، حيث شارك فيه أكثر من 182,391 زائراً من مختلف أنحاء العالم، الذين عاشوا تجربة فريدة تجمع بين روعة الفن، وثراء التاريخ، وعمق الرموز، التي جسدت في ملامحها، وأسحتها، وأزيائها، عظمة ممالك وأمجاد عريقة لا تزال تتردد في أذهاننا، وتلهم الأجيال، وتُحلق بنا في سماء الإبداع والوعي.

وبعد النجاح الكبير الذي حققه المعرض في الإمارات، أعلن منظمو الحدث عن انتقال نسخته الثانية إلى باريس، في متحف كيه برانلي – جاك شيراك عام 2027، تكريساً لعمق التراث الأفريقي من خلال أكثر من 300 قطعة فنية تنتمي إلى مجموعات المتحف الفرنسي، وتسلط الضوء على رموز الحكم، والطقوس، والعبادات التي كانت تتجلى في حياة ملوك وملكات ممالك عريقة صنعت مجدها عبر العصور، وألهمت فنانين، ومفكرين، ومؤرخين، حتى اللحظة.

رموز الحضارة

عند تأملنا للمجموعات المعروضة، نكتشف أننا أمام بانوراما سردية تنطق برموزها، وتحكي عن ملوك وملكات، وقادة، وأبطال، وطقوس، وأسلحة، وأزياء، وأيقونات، تتداخل في سياق فني متقن، يربط بين الماضي والحاضر، ويعيد رسم ملامح حضارة عريقة.

ومن أهم النماذج، صولجان في هيئة حامل سهام، يُعد من أبرز تلك النماذج، وهو في الأصل أداة نفعية، لكن مع مرور الزمن تحوَّل إلى رمز للحكم وعلامة على المكانة الاجتماعية.

تتحدث الأسطورة أن الصولجان يُحاكي أسطورة الصياد مبيدي كيلوي، والد البطل كالالا إيلونغا، وتؤكد أن السلطة في أفريقيا ليست مجرد منصب، بل ارتباط روحي وتاريخ ممتد يربط الإنسان بمصيره ومقدسه.

وفي سياق رمزية السلطة، يُعرض غطاء رأس من الكونغو، مزين بخيوط معقدة، يُجسد تعقيد مصدر الأشياء، ويُحيلنا إلى عمق الروح الأفريقية، حيث يُلبس في مراسم التتويج، ويُحفظ اليوم في المتاحف كمصدر من مصادر الحكمة والمعرفة.

يؤكد الباحث الفرنسي فرانسوا بوشيه أن هذا الغطاء كان يرتديه الملك إيلوي الأول أثناء توقيع معاهدة التحالف مع الأوروبيين عام 1880، ليبرز أن التاريخ رغم تقلباته يظل مرتبطاً برموز الطقوس وأسرار القداسة التي تربط الإنسان بمصيره.

إبداع إنساني

سلط المعرض الضوء على العديد من تفاصيل الحياة اليومية، ومن أبرز نماذج ذلك الملعقة المنحوتة من جنوب غرب مدغشقر، من نهاية القرن التاسع عشر، ذات تصميم معقد، تروي حكاية رمزية؛ حيث نابا التمساح يرمزان إلى الملوك والأجداد، ويؤكدان أن كل قطعة من التراث، مهما كانت بسيطة، تحمل في طياتها رسالة احترام وتقدير، وتوثيق لطقوس الشعوب.

وفي أروقة المتحف يُعرض خنجر من الذهب والفضة صنعه حرفيو القصر الإثيوبي، وهو ملك أبا جيفار الثاني، الذي قاوم الاحتلال وحافظ على استقلال بلاده، ليكون رمزاً للمقاومة والكرامة والاعتزاز الوطني.

يعكس هذا السلاح العمق الروحي والوطني، ويؤكد أن القوة الحقيقية تُبنى على عمق الروح، وتمسك الإنسان بجذوره وتراثه.

أسرار الحضارات

هذه التحف، التي عاشت مئات السنين، تحمل في طياتها أسرار حضاراتٍ وأسطورة ملوك وأبطال وطقوس وعبادات، تُعيد إحيائها وتؤكد أن إرث أفريقيا، برموزه وملوكه وملكاتها، هو روح حضارتها، وقوتها، وجسر تواصلها بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

ويُذكر أن المعرض الذي قدَّم لمحة استثنائية عن حياة وإرث أبرز الشخصيات المرموقة والنفوذ في أفريقيا، جاء بالتعاون مع العديد من المؤسسات الثقافية في الدولة، بما في ذلك متحف جوجنهايم أبوظبي، ومؤسسة الشارقة للفنون، إضافة إلى جهات خاصة وإعارات فنية من المؤسسات الأفريقية الشهيرة، لتعزيز سردية المعرض وتطوير عمقه.