وداعاً بريجيت باردو.. رحيل "أسطورة القرن" التي روّضت الأضواء وهجرتها من أجل الأرض

غيب الموت اليوم الأيقونة العالمية والناشطة الحقوقية بريجيت باردو، التي رحلت عن عمر يناهز 91 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة من أكثر صفحات القرن العشرين صخباً وجمالاً وتأثيراً.

لم تكن باردو مجرد ممثلة مرت على شاشات السينما، بل كانت زلزالاً ثقافياً غيّر مفاهيم الأنوثة والحرية في أوروبا والعالم، قبل أن تتحول في منتصف عمرها إلى "صوت لمن لا صوت له"، واضعةً شهرتها الواسعة في خدمة قضايا البيئة والحيوان، في رحلة استثنائية بدأت ببريق "السينما" وانتهت بسكينة "النضال الإنساني".

لقد كانت فترة الخمسينيات والستينيات هي "العصر الذهبي" لباردو، حيث قدمت خلالها أعمالاً خلدت اسمها في أرشيف الفن السابع. ويبرز فيلم "وخلق الله المرأة" (1956) كحجر زاوية في مسيرتها، إذ لم يكن مجرد عمل سينمائي، بل ثورة أطلقت شهرتها وراء المحيط لتصل إلى هوليوود.

وتوالت أعمالها التي تنوعت بين الدراما النفسية المعقدة في فيلم "الحقيقة" (1960)، والكوميديا والمغامرة في فيلم "فيفا ماريا!" (1965)، وصولاً إلى تعاونها مع المخرج جان-لوك غودار في فيلم "الاحتقار" (1963)، وهو العمل الذي يُدرس حتى اليوم كنموذج للنضج الفني.

كما قدمت أعمالاً أثبتت فيها قدرتها على الأداء الكلاسيكي مثل "ليل الكبار"، وأخرى لمست فيها معاناتها الشخصية مع الشهرة مثل فيلم "حياة خاصة".

أما فيما يخص التقدير الرسمي، فقد كانت علاقة باردو بالمؤسسات تتسم بالفرادة والزهد؛ فبينما حصلت على جائزة "ديفيد دي دوناتيلو" الإيطالية المرموقة وتصدرت ترشيحات "بافتا" البريطانية، إلا أنها كانت تنظر إلى الجوائز بوصفها قيوداً بروتوكولية.

ولعل الواقعة الأبرز في حياتها هي رفضها القاطع لوسام "جوقة الشرف" الفرنسي، مفضلةً أن تكون مواقفها هي الوسام الحقيقي.

ولم يمنعها هذا التمرد من أن تصبح رمزاً وطنياً، حيث تم اختيار ملامح وجهها لتكون النموذج الرسمي لتمثال "ماريان" (رمز الجمهورية الفرنسية)، لتصبح أول فنانة تمنح وجهها لرمز الدولة، وهو تكريم تاريخي تجاوز كل الألقاب الفنية التقليدية.

لم يقتصر إبداع باردو على التمثيل، بل كانت فنانة شاملة سجلت أكثر من 60 أغنية، وتعاونت مع الملحن العبقري سيرج غينسبور في أغنيات أصبحت أيقونات موسيقية تعبر عن روح الستينيات الصاخبة.

هذا التنوع جعل منها "نجمة البوب" الأولى قبل ظهور المصطلح بشكله الحالي، حتى أن فرقة "البيتلز" صرحت علانية بأن باردو كانت ملهمتهم الأولى.

وفي ذروة هذا المجد عام 1973، وبشكل مفاجئ، أعلنت اعتزالها الفن نهائياً وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها، مبررة ذلك برغبتها في التوقف عن "تمثيل الأدوار" وبدء "عيش الحياة"، قائلة كلمتها الشهيرة: "لقد أعطيت جمالي وشبابي للرجال، والآن سأعطي حكمتي وتجربتي للحيوانات".

ومنذ ذلك الحين، وهبت باردو حياتها وثروتها بالكامل للدفاع عن حقوق الحيوان، وأسست في عام 1986 "مؤسسة بريجيت باردو" التي خاضت من خلالها معارك سياسية كبرى، من حماية الفقمة في القطب الشمالي إلى تحسين ظروف المسالخ العالمية.

ومن المعلومات التي تثير الإعجاب، أنها باعت مقتنياتها الفاخرة وملابسها التي صممها كبار المصممين مثل "ديور" في مزادات علنية لتمويل حملاتها.

لقد نجحت في تحويل شهرتها إلى "قوة ضغط" دولية، مما جعلها من أهم الشخصيات المؤثرة في حركة الوعي البيئي المعاصر، برغم ما واجهته أحياناً من جدل بسبب صراحتها المفرطة ومواقفها السياسية الصارمة.

في سنواتها الأخيرة، اختارت باردو العيش في عزلة هادئة ببلدة سان تروبيه، متمسكة بجمالها الطبيعي ووفائها للحيوانات التي كانت تحيط بها وتعتبرها عائلتها الحقيقية.

لم يقتصر تأثيرها على الفن والناشطية، بل امتد لعالم الموضة، فهي التي أدخلت تسريحات الشعر العفوية وأحذية الباليه المسطحة إلى خزانة المرأة العصرية.

برحيل بريجيت باردو، ينطوي قرن كامل من الفن والتمرد والنضال، وتبقى ذكراها كفنانة لم تكتفِ بأن تكون جميلة، بل اختارت أن تكون شجاعة وصادقة، لتثبت أن النجومية الحقيقية تبدأ حين تنطفئ أضواء الكاميرا ويشتعل نور الضمير.