حين يصبح التاريخ بطلاً سينمائياً.. شارل ديغول يحتل شباك التذاكر

حين يقفز التاريخ من صفحات الكتب العتيقة ليجتاح شباك التذاكر ويأسر قلوب الجيل الجديد، فإننا أمام ملحمة استثنائية؛ ففي الوقت الذي استطاع فيه فيلم السيرة الذاتية الجديد "معركة ديغول" في 2026  و المكون من جزأين، "العصر الحديدي" و"أكتب اسمك"، أن يحقق نجاحاً مدوياً ومفاجئاً في صالات السينما الفرنسية، أعاد إحياء واحدة من أقوى محطات الذاكرة الوطنية برؤية إخراجية وفنية متفردة، بلغت نحو 4.7 مليون مشاهد لمجمل عروضه المتصاعدة. 

4.7 مليون مشاهد

  نجح هذا الفيلم بـجزئيه في استقطاب جماهير غفيرة بلغت نحو 4.7 مليون مشاهد لمجمل عروضه المتصاعدة. وقد انطلق عرض الجزء الأول من هذه الثنائية، المعنون بـ "العصر الحديدي"، في صالات السينما يوم 3 يونيو 2026، محققاً بعد بداية متعثرة إقبالاً تصاعدياً  حيث يُقدَّر نصيب الجزء الأول بـــ 3 ملايين تذكرة، بينما يحصد الجزء الثاني  ما يقارب 2.5 إلى 2.7 مليون في إجمالي التوقعات الاستباقية للثنائية المتصاعدة.

وتلاه الجزء الثاني المتمم للقصة، المعنون بـ "أكتب اسمك"، والذي صدر رسمياً يوم 26 يونيو 2026 ليحصد بدوره إيرادات جماهيرية واسعة أسهمت في تجاوز إجمالي العروض التذاكر المليونية المتسارعة، منافساً بشراسة أضخم الإنتاجات العالمية.

ولم يأتِ هذا الإقبال الهائل لمجرد كون دور السينما ملاذاً هرباً من موجات الحر، بل جاء تتويجاً لتوظيف مالي وفني غير مسبوق في مواقع تصوير متعددة بين باريس وبريطانيا والصحراء الكبرى.

فيلم «ديغول» بجزئيه ليس العمل الفرنسي الوحيد الذي تناول هذه الشخصية، التي تُعدّ أحد أعمدة التاريخ السياسي الحديث لفرنسا. ففي عام 1946، تناول المخرج ميشيل دوڤيل شخصية ديغول بشكل عَرَضي في فيلمه «مارتن سولدات».

وفي عام 1969، قدّم جان - بيير ميلڤيل فيلماً متميّزاً عن المقاومة الفرنسية تضمّن إشارة إلى الجنرال ديغول، بعنوان «جيش من الظلال».

ومن بين أحدث الأفلام التي تناولت شخصية الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول، فيلم «ديغول» من إخراج غابرييل لو بومَن، الذي صدر عام 2020. في هذا العمل، وُضع ديغول في الواجهة مباشرة، لكن الفيلم اتسم بطابعه الحواري أكثر من كونه مشهديّاً، وتضمّن مواقف حاسمة عسكرياً وسياسياً، غير أن معالجة هذه المواقف غلبت عليها النزعة المسرحية.

وفي عام 2024، حقّق المخرج الفرنسي بيير أسولين فيلماً تسجيلياً طويلاً بعنوان «ديغول ضد تشرشل: ذكريات حرب، حرب الذكريات» تناول الفترة نفسها وما وقع فيها من أحداث ومواقف سياسية.

خلف الكواليس

وفي قراءة تحليلية لأبعاد الظاهرة الجماهيرية، تؤكد المؤرخة الفرنسية عليا أغلان، الأستاذة في جامعة بانتيون سوربون في باريس والمشاركة في تأليف الكتاب الأكثر مبيعاً" ديغول.. فرنسا والعالم ": في تاريخ فرنسا، كان لدينا دائماً "رجل قدري" (منقذ)، شخص يصل في الوقت المناسب ليحول وضع الضعف إلى مركز قوة."

وتضيف موضحة سر جاذبية العمل: "الحماس للفيلم بين الشباب يعود إلى أنهم يكتشفون أجزاء من قصة لم يكونوا يعرفونها: رجل عرف الإخفاقات، والتردد، والضربات الموجعة، وجسد روح المقاومة لأنه ظل على طبيعته ضد كل الظروف، حتى على حساب ظهور بمظهر مثير للضحك أحياناً."

وتتابع أغلان مضاءلة الفجوة بين الزمنين: "هناك مشاعر، وهناك معلومات لم يكونوا يعرفونها، وهو ما يصدى لدى شباب اليوم، خاصة في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية التي سنخوض فيها وضعاً شديد الانقسام.

75 مليون يورو

هذا العمل الملحمي المكون من فيلمين، تقارب مدة عرض كل منهما ثلاث ساعات بميزانية إجمالية بلغت نحو75 مليون يورو، مستلهم من كتاب السيرة الذاتية لديغول الصادر عام 2018 بقلم الأكاديمي التاريخي جوليان جاكسون، أستاذ التاريخ في جامعة كوين ماري في لندن.

ويتتبع الجزء الأول، المعنون بـ العصر الحديدي، رحلة ديغول الدرامية إلى لندن في يونيو 1940 وتأسيس قوات فرنسا الحرة لمقاتلة النازيين، مسلطاً الضوء بحرفية سينمائية عالية على معركة بئر لحكيم التي صمد فيها ثلاثة آلاف وسبعمائة جندي من قوات فرنسا الحرة في الصحراء الليبية ضد سبعة وثلاثين ألف جندي نازي بقيادة إيروين رومل لمدة ستة عشر يوماً، مما منح الجيش الثامن البريطاني فرصة حاسمة للانسحاب.

في المقابل، يغطي الجزء الثاني، المعنون بـ أكتب اسمك، بقية مسار الحرب وصولاً إلى المشهد المهيب لتحرير فرنسا عام 1944.

وعلى مستوى الصنعة الفنية والأداء التمثيلي، يقف خلف الكاميرا الدبلوماسي الفرنسي والمستشار الوزاري السابق أنطوان بودري كمخرج للعمل، مدعوماً بطاقم تمثيل بارز يضم سيمون أبكاريان –الذي اشترك سابقاً بتجسيد دور الشرير أليكس ديميتريوس في فيلم كازينو رويال من سلسلة جيمس بوند– ليتقمص هنا شخصية الجنرال ديغول بعمق وتركيب نفسي عالٍ، إلى جانب الممثل البريطاني الحائز على جوائز رفيعة في مسرحيات شكسبير، سيمون راسل بيلي، في دور وينستون تشرشل.

وقد صرح بودري للإذاعة الفرنسية بأن هدفه الأساسي تمثل في أن تتحدث الأزمات المطروحة في الفيلمين "إلى الشباب... وتتناول موضوعات الحرب والمقاومة والالتزام" بروح معاصرة.

تفاعل رقمي

وفي كواليس التسويق وتجاوز كبوة شباك التذاكر التي شهدت تراجعاً في الأسبوع الثاني قبل حدوث الـ "ريمونتادا" التاريخية وزيادة الإقبال بنسب قياسية فاقت 100% في الأسابيع اللاحقة، يروي النقاد كيف أن العمل، الذي بدا بعد عرضه الأول في طريقه للتعثر والفشل، شهد انقلاباً جماهيرياً لافتاً؛ فقد لجأت شركة الإنتاج باتيه إلى استراتيجية مبتكرة لجذب الأجيال الصاعدة، نظمت عبرها عروضاً خاصة  على منصتي يوتيوب وإنستغرام، ليتسنى للضيوف الشباب التفاعل مباشرة مع المخرج بودري.

وإلى جانب تقديم المجالس المحلية تذاكر مجانية للطلاب، سرت الشائعة الإيجابية بين الجمهور كالطيف. وخارج إحدى دور السينما وسط باريس في الأسبوع الماضي، تجلت ثمار هذا التواصل حين أكد طالب إدارة الأعمال أليكس وصحبه استمتاعهم البالغ بالعمل؛ إذ قالوا: "سمعنا عنه على وسائل التواصل الاجتماعي وقررنا معرفة حكايته.

نحن نُدرس لنا عن فرنسا الحرة وديغول في المدرسة، لكن كانت هناك أشياء كثيرة لم أكن أعرفها. كان من المثير للاهتمام رؤية كيف استجاب طلاب باريس لنداء ديغول للمقاومة."

من جانبهم، انخرط النقاد والمؤرخون في تقييم الظاهرة؛ حيث أشاد المؤرخ المتخصص في الحرب العالمية الثانية هنري روسو بالعمل قائلاً: "هناك القليل جداً من الأفلام في السينما الفرنسية يمكن وصفها بأنها ملحمة تاريخية، وهذا أحدها. لقد نجح المخرج ربما لأنه يتناول واحدة من أعظم الملاحم في التاريخ الفرنسي.

فلسفة المقاومة

" وأضاف مؤكداً فرادة الشخصية: "كان ديغول شخصية استثنائية في حياته، وما زال كذلك بالنسبة للفرنسيين اليوم في وقت لا يوجد فيه شخصية سياسية مكافئة."

بالمقابل، لم يخلُ العمل من أصوات نقدية رافضة أو متحفظة؛ فقد رفض أرنود تيسيي، المؤرخ وكاتب سيرة ديغول الذاتية، فيلم السيرة الذاتية واصفاً إياه بحدة بأنه مجرد "شريط مصور (كوميكس)" يعجز عن إنصاف الشخصية بموضوعية تاريخية تامة.

وكتب منتقدآً في مجلة لوبوان: "الفيلم ليس خالياً من الجاذبية الكبرى: فقد تمتع بميزانية ضخمة، وطاقم تمثيل جيد، وهو مستند إلى سيرة ذاتية محترمة بحق. لكن خيبة الأمل لا تقل عنها حجماً."

وأردف تيسيي معقباً على المعالجة الدرامية: "ديغولبسلوكه المراوغ، أكثر تعقيداً بكثير في تجسيده مقارنة بتشرشل، الذي يكفي لاختياره ممثل سمين يلقي النكات الطريفة تباعاً بينما يدخن السيجار باستمرار."

 أوضحت ناتالي سيوتات، نائبة المدير العام للتوزيع في شركة أفلام باتيه، أن أبحاث السوق المكثفة التي أجرتها الشركة أثبتت بلا شك أن "موضوع المقاومة هو الذي جعل الفيلم يحظى بشعبية خاصة بين الشباب".

ومع إطلالة مشهد سياسي محتقن واقتراب فرنسا مما ينذر بأنها انتخابات رئاسية مريرة العام المقبل، والتي تشير استطلاعات الرأي الحالية إلى احتمال أن تسفر عن مواجهة حامية بين التجمع الوطني في أقصى اليمين وحزب فرنسا الأبية في أقصى اليسار، تعود عليا أغلان لتربط بين شاشة السينما وواقع الشارع، مشيرة إلى أن شخصية ديغول تحمل صدىً عصرياً متقدماً.

وتختتم قائلة: "عندما ينقسم الشعب الفرنسي ويواجه اليمين المتطرف واليسار المتطرف ويتساءل لمن سيصوت عندما لا يريد أياً منهما، يتمنى لو كان لديه خيار لرجل أو امرأة قدري ينقذنا من هذه الخيارات الرهيبة،ديغول يمنح الأمل لأنه مقاوم، وفي الوقت الحالي يفكر الجميع في كيفية المقاومة."