جينات الرعب.. كيف غيرت رواية ميلر مصير "باتمان" الأبد؟

نُشرت الرواية المصورة لفرانك ميلر قبل أربعين عاماً، وتحديداً في عام 1986، لتُحدث انقلاباً جذرياً في عالم قصص الأبطال الخارقين، محولةً شخصية "صاحب القلنسوة" (باتمان) من أيقونة هزليّة كاريكاتورية باهتة إلى نمط جديد ووحشي من الأبطال الملحميين.

لطالما اقترن اسم باتمان في أذهان العامة، طوال عقود، بشخصية فاعل الخير متجهم الوجه الذي يرتدي سروالاً داخلياً فوق ملابسه الضيقة، ويحمل على الدوام علبة بخاخ مخصصة لطرد أسماك القرش – وهي الصورة النمطية التي كرّسها المسلسل التلفزيوني والفيلم الكوميدي الساخر في حقبة ستينات القرن العشرين.

ورغم أن مغامراته في مطبوعات "دي سي كوميكس" (DC Comics) كانت تصور جانباً أكثر جدية وقتامة، إلا أن الانطباع السائد لدى الرجل العادي ظل حبيساً لأداء آدم وست في قالب كوميدي هزلي ترافقه شارة موسيقية راسخة ومزعجة في آن واحد.

ثم جاءت تلك الرواية المصورة لتكسر القوالب كافة، وتغير وجه المشهد بأكمله؛ لا مجرد مغامرات باتمان، بل صناعة قصص الأبطال الخارقين برمتها، وصولاً إلى طيف واسع من الإنتاجات السينمائية الهوليوودية التي استلهمت روحها من ذلك العمل الاستثنائي.

ثورة الرموز

وعندما صدرت الرواية للمرة الأولى كسلسلة مصغرة من أربعة أعداد عام 1986 تحت عنوان "عودة الفارس المظلم" (The Dark Knight Returns)، شكلت تحفة ساخرة ولاذعة جسدت أقصى درجات العمق والنضج الفكري الذي يمكن أن يبلغه هذا الفن.

يوضح ميلر في أحد تصريحاته الإعلامية المصورة أنه في عالم خيال الأبطال الخارقين، نحن نتعامل أساساً مع الرمزية والمجاز.

نحن لا نملك بطلاً خارقاً مثل سوبرمان في واقعنا المعيش، لكننا نملك قوى عسكرية جبارة تتأرجح بين الخير والشر.

كما أننا لا نصادف باتمان يطوف الشوارع حراساً، لكننا نلمس رغبة البشر الفطرية في مقاومة قوى البطش والاستبداد. من هنا، سعيت إلى استخدام بنية ورموز قصص الأطفال كوعاء سردي لقصة تخاطب الكبار".

يصف المخرج السينمائي الأسطوري جورج لوكاس، مبتكر ملحمة "حرب النجوم"، فرانك ميلر بأنه "مايكل أنجلو عصرنا"، وهو لقب يستحقه باعتراف الأوساط الفنية لكونه كاتباً ورساماً نادراً يتقن الصنعتين بذات المعيار المذهل.

وقد فرض ميلر اسمه بقوة على خريطة الصناعة عبر مساهمته الفارقة في سلسلة "ديرديفل" (Daredevil) لشركة "مارفل" أوائل الثمانينات.

وتتضح بصمات تلك الأعمال بوضوح جلي في أحدث مسلسلات وأفلام الشخصية نفسها، فضلاً عن إرث سلسلة "سلاحف النينجا" برمتها، وعصابات النينجا في أحدث أفلام "سبايدر مان".

وإذا كان الجمهور قبل هذه الرواية يربط باتمان بصورة آدم وست الكوميدية في ستينات القرن الماضي، فإن ميلر نجح لاحقاً في تحقيق نجاحات هائلة عبر مشاريع مستقلة أخرى؛ حيث تحولت كل من روايتيه "300" و"مدينة الخطيئة" (Sin City) إلى ملحمتين سينمائيتين ناجحتين.

غير أن التاج الحقيقي لمسيرته يظل معقوداً لـ "عودة الفارس المظلم"، التي يصفها الروائي الشهير ستيفن كينغ بأنها "على الأرجح أرقى قطعة فنية كوميدية نُشرت يوماً في طبعة شعبية واسعة الانتشار".

بعث الموت

استذكاراً لتلك المحطة في مذكراته الصادرة حديثاً تحت عنوان "ادفع الجدار" (Push the Wall)، يوضح ميلر أنه كان في العشرينيات من عمره حين عهدت إليه دار "دي سي" بمهمة إعادة بث الروح في شخصية وصلت آنذاك إلى حالة من "التهميش" وفقدان الأنياب لتغدو بمثابة "مواطن من الدرجة الثانية" في عالم القصص المصورة.

ويكشف ميلر  أن قطع الحكاية بدأت تترابط في ذهنه حين اختار لقصته إطاراً زمنياً في مستقبل قريب، مصوراً بروس واين وقد بلغ منتصف العمر متخذاً قرار الاعتزال قبل عشرة أعوام.

ويضيف شارحاً: "كنت مشدوداً برغبة ملحة لجعله يبدو ضخماً، مهيباً، أبوياً، وحاد الفكين كما رسم في خمسينات القرن الماضي حين قرأته طفلاً، مع مزج هذه الملامح بطابع خشن، عضلي، وصلب يذكّر بشخصيات أفلام مثل (هاري القذر) أو (رغبة الموت)".

كما أتاح له هذا الترحيل الزمني فرصة إخراج بطل غوثام من تقاعده الطويل بأسلوب مباغت؛ "إذ لا شيء يعيد بعث الشخصية بدرجة من القوة والزخم تضاهي عملية الإحياء الشاملة والصريحة".

جحيم غوثام

انطلقت الحبكة من فرضية قاتمة مفادها أن غياب باتمان تحول إلى لعنة هوت بمدينة غوثام في قاع من الجحيم الحضري والمجرمين القتلة. وقد استمد ميلر هذه الأجواء جزئياً من مخزون تجاربه الخاصة؛ فبعد طفولة قضاها في ريف فيرمونت الهادئ، انتقل إلى نيويورك خلال السبعينات، ورغم ولعه بمدينته الكبرى الجديدة، إلا أنها كانت "مدينة تعاني من حالة اضمحلال وترهل عميقين".

ولحسن حظ غوثام، لم يعد باتمان في هذه الملحمة محققاً أرستقراطياً مهذباً، بل حارساً سرياً مرعباً وعنيفاً يمارس بطشاً مبرراً يجد فيه متعة مظلمة لكسر عظام المجرمين.

ومارس هذا العنف الضاري بجرأة كادت تدفع محرري الدار للاعتراض لولا النقاشات الشاقة.

ويعلق ميلر بابتسامة ساخرة: "دارت بيننا نقاشات وجدالات لا حصر لها، وهي سمة دائمة لأي عمل جاد. لقد كانت شراكة صحية وخصبة، مهما علت الأصوات أحياناً".

انقلاب الجوكر

ولعل الخطوة الأكثر راديكالية تمثلت في تحويل سوبرمان إلى أداة طيعة بيد السلطة التنفيذية، موالياً لرئيس أمريكي يحمل ملامح شبيهة برونالد ريغان، بينما تحول الجوكر إلى سادي مرعب. وحين رأت السلسلة النور، اعتبرت هذه التعديلات تمرداً طمّاعاً على المألوف، غير أن ميلر يؤكد أنه كان ينظر إلى الأمام والخلف في آن معاً.

ويقول: "إذا راجعنا أصول الجوكر عام 1940، سنجد أنه لم يكن شخصية هزلية بل سيكوباتياً دموياً قتل المئات. أنا كل ما فعلته أنني أعدت جذور القصص المصورة إلى منبعها في أدب التشويق الرخيص والشخصيات الكلاسيكية مثل (الظل)".

ورغم ذلك، لم تشهد المطبوعات يوماً عمقاً بهذا القدر من الكثافة والمناخات الكارثية؛ حيث تنفجر القنابل في أحشاء مترو الأنفاق، وتتداعي الطائرات على ناطحات السحاب، وتلوح نهاية العالم النووية في الأفق، مزحومة بحبكات وخطوط درامية وشخصيات متداخلة.

كثافة بصرية

حشر ميلر طوفانًا مذهلاً من التفاصيل داخل صفحات العمل. ففي عام 1986، كان المعتاد أن تضم قصة الأبطال الخارقين 22 صفحة بمعدل ستة أو سبعة إطارات للصفحة الواحدة.

أما "عودة الفارس المظلم"، ففجرت النمط بـ 46 صفحة للعدد الواحد، عمد ميلر خلالها إلى تقطيع اللوحة إلى 16 إطارات متناهية الصغر. يبتسم مسترجعا: "كنت مصمماً على تقديم المنتج الأكثر كثافة في تاريخ الصناعة، مستهدفاً إيقاعاً حاداً يشبه ضربات الفأس (قطعاً تلو قطع).

أرد ميلر  أن يجعل إفلات العين عن الصفحة أمراً مستحيلاً، بحيث تظل أسنان القارئ مصطكة توتراً تماماً كأسنان باتمان".

وقد تضافرت جهود المحبر كلاوس جانسون لإضفاء اللمسات النهائية، والفنانة لين فارلي (شريكة ميلر وقتها) التي صاغت الألوان الغنية والدقيقة، لكن العمل في جوهره ظل إبداعاً فردياً خالصاً من حيث النص والريشة، مما جعله مشروعاً هائلاً تسبب في تأخير صدور الأعداد لأشهر.

ويذكر ميلر أن "بعض المسؤولين في دار النشر اقتربوا من دخول المستشفى توتراً وقلقاً"، بيد أن أرقام المبيعات كانت تقفز تصاعدياً مع كل إصدار جديد، ليتأكد للجميع أنهم أمام ظاهرة استثنائية مدوية.

عاصفة التغيير

وبلغ من صدى النجاح أن "حياة ميلر انقلبت رأساً على عقب بين عشية وضحاها"، معلقاً بقوله: "كان شعوراً عارماً ومخمراً، لكنها تظل فترة رائعة لا يمكن إنكار جمالها".

وتهاطلت المقالات الأكاديمية والصحفية لتعلن نهاية حقبة اعتبار قصص الأبطال الخارقين مجرد ترفيه للأطفال، فيما ظهر التأثير على السوق الفنية بصورة "سريعة وفاضحة" عبر موجة من المقلدين، يعلق عليها ميلر بهدوء: "تلك هي طبيعة الأشياء؛ فحين ينجح نموذج، تهرع دور النشر والمواهب لتقليده، وهو أمر لا يستدعي الضغينة".

وامتد هذا الأثر الحاسم ليصل إلى هوليوود؛ إذ نهلت كافة أفلام باتمان الحديثة، بدءاً من تحفة تيم برتون عام 1989 وصولاً إلى ثلاثية كريستوفر نولان وأداء كريستيان بيل، من صرامة وعتمة رؤية ميلر.

بل إن نولان اقتبس أسماء فيلميه الثاني والثالث من عنوان الرواية، واستعار زاك سنايدر مقاطع كاملة لصالح فيلمه "باتمان ضد سوبرمان".

ويمكن القول بوجازة إن إدراك استوديوهات السينما اليوم بأن حكايات الأبطال الخارقين تصلح لكل الفئات دون تسطيح يعود الفضل فيه أولاً إلى ميلر.

وعلى الرغم من ذلك، يصر الفنان على أنه لم يكن سوى حلقة في سلسلة من المبدعين الذين أحدثوا الثورة ذاتها في الثمانينات، وهو لا يكترث كثيراً بالأفلام التي تدين بوجودها له، مختتماً بضحكة ساخرة: "من الأفضل لسلامة العقل وضغط الدم أن تأخذ كل هذه الأمور بروح رياضية محضة".