المرآة السحرية: كيف أعادت «روحانيات البوب» والقلق السياسي وطفرة «الإنتاج الفاخر» صياغة سينما الفانتازيا (3-3)

 ملصق فيلم «Rings of Power»
ملصق فيلم «Rings of Power»

في عام 2011، خضع أدب وسينما الفانتازيا لانقسام هيكلي وبنيوي بالغ العمق؛ ففي الوقت الذي فرضت فيه سينما الأبطال الخارقين هيمنتها المطلقة على شباك التذاكر العالمي، هاجرت «الفانتازيا الملحمية» نحو شاشات التلفزيون والمنصات النخبوية، في نقلة تاريخية دشّنها العرض الأول والمحوري لمسلسل «Game of Thrones» على شبكة HBO.

​وقد نجح مسلسل «Game of Thrones» —المقتبس عن سلسلة روايات الكاتب جورج أر. أر. مارتن— في التفكيك التام والنسف الجذري للأطر التقليدية التي طالما اتسمت بها الفانتازيا الملحمية.

فإذا كان إرث تولكين قد بُني على خطوط فاصلة وواضحة بين الخير المطلق والشر المحض، فإن مارتن قد قدّم عالماً محكوماً بواقعية سوداوية فجة، وفساد مؤسسي متجذر، وغموض أخلاقي شديد التعقيد؛ حيث تحول الفرسان غالباً إلى انتهازيين قساة، وأُعدم الأبطال فجأة وبلا رحمة بسبب مثاليتهم وسذاجتهم، وتقدمت المناورات السياسية لتعتلي الصدارة ويكون لها الثقل الأكبر على حساب الآثار والتمائم السحرية الكلاسيكية.

وقد أحدث هذا التحول نقلة جذرية في الوسيط الإعلامي الأنسب لبناء العوالم الخيالية، إذ أدركت هوليوود أن التوازنات السياسية المعقدة، والتاريخ العميق، وأطقم الممثلين الضخمة التي تميز الفانتازيا الرحبة، تحتاج كلها إلى المساحة والأنفاس التي تتيحها المواسم التلفزيونية الطويلة، بدلاً من التقيد بحدود نافذة العرض السينمائي الضيقة التي لا تتجاوز الساعتين.

وبذلك، أصبحت الفانتازيا ذات الميزانيات الضخمة حجر الزاوية لما يُعرف بـ«التلفزيون الفاخر»، مبرهنة على أن الجماهير متلهفة للتفاعل مع قضايا وتيمات سوداوية وجريئة مخصصة للبالغين، حتى وإن كانت مغلفة بإطار ميثولوجي وأسطوري.

​يعمل أدب وسينما الفانتازيا اليوم في إطار منظومة بيئية شديدة الاستقطاب وتنقسم إلى مستويين متمايزين:

​فمن جهة، نشهد ما يُعرف بـ«حروب الملكية الفكرية على منصات البث»، حيث توظف شركات التكنولوجيا العملاقة واستوديوهات الإنتاج العريقة العوالم الخيالية الممتدة كركائز جذب أساسية وشرايين حياة لمنصاتها الرقمية.

وتعتمد هذه الإنتاجات التلفزيونية المسلسلة —التي تلتهم مئات الملايين من الدولارات— على علامات تجارية راسخة عابرة للأجيال لضمان الاستحواذ على اهتمام المشتركين.

وتتميز هذه الحقبة بالضخامة الفائقة، والبناء السردي المستمر للعوالم، والقيم الإنتاجية الباذخة عبر كبرى المنصات الرقمية: منصتا «أمازون برايم» عبر مسلسلي: The Rings of Power و The Wheel of Time.

شبكة «HBO» من خلال ملحمة: House of the Dragon. منصة «ديزني بلس» عبر توسيعاتها المتعددة للسلاسل ذات المفاهيم الفكرية والبصرية الضخمة.

وعلى النقيض من ذلك، تراجعت الطريقة التي تُقدّم بها تيمات السحر والشعوذة والفولكلور القديم عن تلك الجاذبية والاستعراضية الصاخبة التي ميزت التسعينيات، وعن بريق الأفلام الكبرى في الألفية الجديدة، لتنحت لنفسها موطناً متميزاً ومستقلاً في «سينما المهرجانات والأفلام المستقلة».

وبتوجيه من استوديوهات صانعة للذوق السينمائي مثل شركة «A24»، تمكن صناع الأفلام المعاصرون من قيادة موجة إحياء لنمط «رعب الفولكلور الريفي» وهو النمط الذي يجرد السحر من مظاهره الاستعراضية البراقة، لصالح الغوص في أصالة تاريخية عميقة وعزلة نفسية خانقة. ​

ويبرز فيلم «The Witch» للمخرج روبرت إيغرز عام 2015 كنموذج أصيل ومعياري لهذا التحول الحديث؛ إذ رفض الفيلم تماماً التيمات الجاهزة والمستهلكة لهوليوود، معتمداً على لهجات إنجليزية حقيقية تعود للقرن السابع عشر، وإضاءة طبيعية بالكامل، وأجواء كئيبة ومقبضة تضرب جذورها في الفزع الديني المتشدد.

لم يعد السحر استعارة مبهجة لتمكين المراهقين واستقلاليتهم؛ بل تحول لقوة بدائية مرعبة، تولدت من رحم العزلة، والصدمات النفسية، والانهيار المجتمعي الشامل.

​هذا الغوص في الواقعية التاريخية نجد صداه يتردد في أفلام مثل «The Green Knight» للمخرج ديفيد لوري عام 2021، وفيلم «The Northman» لإيغرز عام 2022؛ وهي أعمال أعادت تقديم الأساطير الاسكندنافية كتجارب سريالية، صادمة وموغلة في الغرابة.

​من الشوارع النابضة بالتمرد في فانتازيا التسعينيات المدنية، إلى ساحات المعارك الملطخة بالطين في «الأرض الوسطى»، وصولاً في نهاية المطاف إلى الغابات القاحلة والموحشة لسينما الرعب الفولكلوري المعاصر؛ يمكن القول إن أدب وسينما الفانتازيا قد نضج كبيراً وشبّ بالتوازي مع نضج جمهوره.

 ملصق فيلم «The Witch»
ملصق فيلم «The Witch»

 ملصق مسلسل «House of Dragon»
ملصق مسلسل «House of Dragon»

 ملصق مسلسل «لعبة العروش»
ملصق مسلسل «لعبة العروش»

 شعار مسلسل «لعبة العروش»
شعار مسلسل «لعبة العروش»